ابان فترة ما بين الحربين العالميتين، لم يتورع دعاة الحركة الصهيونية ودهاتها عن استخدام أية وسيلة لاستفزاز مخاوف يهود أوروبا تجاه المستقبل، واستحثاثهم على الهجرة إلى فلسطين. وقد شكل العهد النازي ومباغتاته الغاضبة ضد اليهود، مادة دسمة للدعاية الصهيونية العاملة على تشجيع تلك الهجرة أثناء الحرب العالمية الثانية، من داخل الديار الألمانية أولاً ثم من المواطن التي احتلها الألمان تالياً.

وبلغت العقلية النفعية الانتهازية بالقادة الصهاينة درك أنهم عقدوا اتفاقات مع "الأعداء النازيين"، تهدف الى تسهيل مغادرة اليهود الألمان الى فلسطين، مصحوبين برؤوس أموالهم. وهو ما تواطأت معه سلطات الانتداب البريطانية في فلسطين من ناحية والسياسة الأميركية من ناحية أخرى .. الأولى بفتحها أبواب فلسطين أمام سيل المهاجرين، والثانية بإحكام غلق فرص الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة وبقية دول العالم الجديد.

من كان يتصور اليوم، أنه بعد عشرات السنين على تلك الوقائع التآمرية بامتياز، وبعد كل التحولات المذهلة من اندحار النازية الى قيام اسرائيل وتغييب فلسطين والتنكيل بسكانها الأصليين، الى الحروب المتوالية بين اسرائيل والعرب، الى انقسام أوروبا بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي ثم وحدتها الإقليمية، الى تبلور نظام القطبية الثنائية ثم أفوله.

من كان يتصور بعد كل هذه المتغيرات ونحوها، أن يعيد الصهاينة التوسل الى ألمانيا كي تفرض قيوداً صارمة، تمنع بها تدفق المهاجرين اليهود إليها من شرق أوروبا ووسط آسيا، وأن يبذلوا جهوداً مع الولايات المتحدة وكندا ويمارسوا عليهما ضغوطاً، لايصاد أبوابهما في وجه اليهود الطامحين للهجرة إليهما؟!.

منذ ثلاثينيات القرن الماضي إلى أيامنا هذه، تغيرت حقائق كثيرة في هذا العالم ولم يغير المشروع الاستيطاني الصهيوني أهم ثوابته: استغلال أزمات اليهود في مجتمعاتهم الأم ودفعهم سراً وعلانية على الطلاق البائن معها وسوقهم إلى تبني خيار الهجرة إلى فلسطين واستيطانها، مع احكام اغلاق الملاذات والخيارات البديلة الأخرى.

لقد قفزت هذه التعميمات والوقائع التاريخية الى خاطرنا، بمناسبة الإعلان عن نجاح جهود الوكالة اليهودية بالتعاون مع الحكومات الإسرائيلية خلال السنوات العشر الأخيرة، في إقناع ألمانيا بعدم استقبال المهاجرين اليهود الوافدين اليها من أوروبا الشرقية.

وذلك بزعم أن "..النهج الألماني الليبرالي والمتسامح جداً مع هؤلاء المهاجرين يهدد الهدف الذي وجدت اسرائيل من أجله"، ومن جراء هذا التوافق انخفض عدد اليهود الذين تقدموا بطلبات النزوح والإقامة في المانيا من 25 ألفاً عام 2004 الى بضع مئات في الوقت الراهن.

على اننا هنا بصدد نجاح بالمعنى النسبي، لأن انصراف اليهود عن الهجرة الى ألمانيا لم يستتبعه انجاز الجانب الآخر والأهم من المعادلة، وهو التوجه الى اسرائيل. يقول أحدث تقارير معهد سياسات الشعب اليهودي: "ان التنامي المستمر في العداء والكراهية لليهود في أوروبا دفع الكثيرين منهم لمغادرة هذه البلدان، لكن ليس الى اسرائيل وانما الى بلدان أخرى على رأسها كندا والولايات المتحدة.".

وبعد أن يستطرد التقرير الى بعض الإحصاءات، التي تثبت أن واحداً من كل أربعة يهود في أوروبا تعرض في العام 2012 لاعتداء على خلفية دينية، وأن نصف اليهود الذين يقطنون بلجيكا وفرنسا والمجر يدرسون امكانية مغادرة هذه البلاد الى مواطن أخرى غير اسرائيل، يوصي بإزالة ما يسميها بالعراقيل البيروقراطية لتحفيز هذه الجماعات على الهجرة الى إسرائيل.

بهذه التوصية المبتسرة، لم تصب القوى الصهيونية الساهرة على الهجرة والاستيعاب كبد الأسباب الحقيقة لعزوف يهود أوروبا عن التوجه الى اسرائيل، فهي اختزلت هذا الاستنكاف في مجرد وجود بعض العراقيل الإدارية، متجاهلة فشل الخطاب الصهيوني وتهافت بنيته وثبوت تناقضه وتدليسه.

لو كان القائمون على شؤون الهجرة اليهودية صادقين مع أنفسهم ومع الآخرين، لما علقوا خيبتهم مع يهود أوروبا بذمة سبب يثير السخرية، ولأشاروا الى جوهر المثبطات التي تحول دون اقبال المهاجرين على اسرائيل، وفي طليعتها ما تعانيه هذه المستوطنة الكبيرة من معضلات أمنية ونفسية، بالنظر الى ديمومة مقاومة الشعب الفلسطيني لأكثر من مئة عام، ولفظ المحيط الإقليمي لكيان ليس من جنسه ولا يمت لبيئته التاريخية والفكرية الثقافية وبناه الاجتماعية والاقتصادية بصلة.

هذا إلى جانب المنغصات والنواقص القارة في داخل هذا الكيان، كالتمييز بين يهود وعرب، وبين يهود ويهود: شرقيين وغربيين؛ متدينين متشددين وعلمانيين؛ أغنياء وفقراء؛ مهاجرين قدامى ومهاجرين جدد،ما عادت الحركة الصهيونية بقادرة على تمرير خطاباتها بالسهولة التي توفرت لها وعاشت عليها ذات مراحل.