الدول العربية وحدها، العراق ومصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن ولبنان والصومال، تشهد حالات عدم استقرار خطيرة تنذر بأوخم العواقب، تتراوح بين أزمات واختناقات سياسية مزمنة وتظاهرات وإضرابات واعتصامات وتفجيرات وحروب أهلية وتطهيرات عرقية ودينية ومذهبية وقتل على الهوية. ويصاحب كل ذلك تراجع في سقوف الحريات والحقوق أو تخوف من ممارساتها، ودعوات لم تعد خجولة تصدر على استحياء بضرورة الذهاب إلى نوع من أشكال التنظيم الإداري على مستوى الدولة، قد يفضي إلى التجزئة.
أصبحت هذه الحالة غير الطبيعية ظاهرة في المنطقة العربية، من الصعب تصور وجود حلول لها وسط الخلافات السياسية الحادة بين النخب التي تمتلك مفاتيح الحل، والتي نجحت في توظيف العديد مما يتعلق بمعتقدات الجمهور وتحشيده لصالح أجندتها السياسية.
طبيعة هذه الخلافات تتميز بالاستقطاب الحاد، الذي اتخذت أطرافه أقصى درجات التشدد في التمسك بسقوف أجندتها المرتفعة، ولجأت لأقصى الوسائل المتاحة لها لتحقيق ذلك، فأبعدت نفسها كثيرا عن بقية الأطراف. وهذا لا يجعل التفاهم أو الوصول إلى حلول وسطية بينها صعبا فحسب، وإنما يغلق الطريق أمام أية جهة خارجية للوساطة، لأنها مهمة شبه مستحيلة.
مقابل ذلك نرى الدول العظمى التي لديها مسؤولية دولية بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي، رغم اهتمامها الشديد بما يجري، غير قادرة على الإسهام في تقديم حلول تخفف من حدة الأزمات، إما لعجزها أو تورطها بما يحدث في هذه البلدان.
منذ الأزمة المالية التي خيمت على العالم عام 2008 ومجيء الرئيس أوباما، بدأت السياسة الأمريكية تشهد بعض التغيير في منطقة الشرق الأوسط، يتسم ظاهرها بانشغال أقل من ذي قبل بشؤونها. فقد انسحبت القوات الأمريكية من العراق مبكرا، وهي على وشك أن تنسحب من أفغانستان كذلك، وأصبحت الإدارة الجديدة أكثر انشغالا بالداخل الأمريكي ومشاكله.
والحقيقة أن العزوف الأمريكي عن المنطقة يثير تساؤلات وحيرة كبيرين، فقد كان للولايات المتحدة حضور فاعل في المنطقة العربية حين لم تكن القوة العظمى الوحيدة في العالم، فكيف تتراجع الآن ولم يعد هناك من ينافسها في موقعها؟
فهل حقا فضلت الولايات المتحدة الانكفاء والنكوص؟ من المرجح أنها لم تفعل ذلك، وحضورها في المنطقة لم يتضاءل، فهي غيرت تكتيكاتها فحسب من غير أن تغير استراتيجياتها.
كان احتلال العراق الحلقة الأولى في سلسلة أحداث أدت لسقوط عدد من الأنظمة في موجة الربيع العربي، لتبرز عوامل اللا استقرار في بعضها، وليتعزز ما كان في بعضها الآخر. وإذا عدنا لأجواء الربيع العربي، فلا أحد يستطيع تجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة كانت حاضرة فيه، فقد ساندته واحتضنته.
وهو ما لا تنفيه. وكان خطاب أوباما في جامعة القاهرة الذي وجهه للعالم الإسلامي في 4 يونيو 2009 في منتهى الوضوح، دعوة مدروسة بعناية للتغيير. كما أن من الصعب تقبل الادعاء بأنها لم تتدخل في مساراته، ثم مآلاته التي استقرت مفاتيحها في النهاية لدى الأحزاب والحركات ذات الواجهات الإسلامية.
الوضع في مصر كان بمثابة اختبار للموقف الأمريكي، فقد راقبت واشنطن بقلق سقوط نظام الإخوان، ولم يتمكن الرئيس الأمريكي ومساعدوه من إخفاء حيرتهم وترددهم في اتخاذ موقف واضح من النظام الجديد، وحرصوا على اختيار عباراتهم بدقة حين أدلوا بتصريحات عن الحدث. ولم يجدوا أمامهم في نهاية المطاف غير الاعتراف بالأمر الواقع، حين صرح وزير الخارجية جون كيري بأن الجيش المصري لم يقم بانقلاب عسكري وإنما أعاد المسار الديمقراطي لمصر.
العلاقات الأمريكية مع التنظيمات ذات الواجهات الإسلامية، ومنها حركة الإخوان المسلمين، ليست وليدة سنة أو اثنتين، بل ترجع وفق بعض الدراسات إلى وقت مبكر من مرحلة الحرب الباردة. وقد نسجت الولايات المتحدة علاقاتها مع هذه الحركات للاستفادة منها آنذاك، في محاربة الفكر السياسي للمعسكر الشرقي الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفييتي.
ومع أن التنسيق هذا تراجعت أهميته بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، إلا أن تلك العلاقات كانت مهمة ومفيدة للولايات المتحدة لإعادة ترتيب الأوضاع لما بعد الربيع العربي، سيما وأن هذه الحركات هي الأكثر تنظيما بين الحركات السياسية في دول الربيع العربي.
الزيارات المكثفة التي يقوم بها ممثلو الغرب، خاصة الولايات المتحدة، والتي تبدو في ظاهرها تعاطفا مع الرئيس المعزول محمد مرسي ومع شرعيته، هي في الحقيقة غير ذلك.
فهي تأتي في سياق آخر جد مختلف، ومحاولة لرأب الصدع الذي أحدثه قصور الرؤى لدى الغرب في تحالف دوله مع حركات ليست لها صلة بالديمقراطية، في تناقض صارخ مع ما يسوقه إعلاميا من أنه راع للمثل الديمقراطية. والشارع المصري الذي ينتفض غيظا من الموقف الغربي، والأمريكي خاصة، لم تفته ملاحظة مستوى الحيرة والارتباك لدى الإدارة الأمريكية، التي تحالفت مع الإخوان للسطو على ثورته وهي تشهد انهيار هذا الحليف.