يبدو أننا نعيش زمن سقوط الأقنعة؛ أقنعة الجميع ممن ظلوا يمارسون علينا أدوار الحملان والذئاب في رواية الصراع بين الخير والشر، فلا الغرب الذي أوهمنا عقوداً من الزمن أنه يعمل من أجل الاعتدال والديمقراطية.

ويحارب التشدد والإرهاب المتمثل في الجماعات التي تطلق على نفسها "إسلامية"، كان يحارب التشدد والإرهاب من أجل نشر الديمقراطية، ولا تلك الجماعات التي أوهمتنا عقوداً من الزمن أنها تحارب "الإمبريالية" المتمثلة في الغرب باسم "الإسلام"، كانت تحارب الإمبريالية من أجل نصرة الإسلام.

سقطت الأقنعة عن الجميع، وانكشفت الوجوه الحقيقية للطرفين، وجه أولئك الذين يدعون أنهم أمناء على الديمقراطية، محاربون للإرهاب الذي لا يتركون فرصة إلا وينسبونه للجماعات التي يسمونها إسلامية،.

ووجه الجماعات التي تطلق على نفسها إسلامية، ولا تفتأ تهاجم الغرب، وتسوّق لنا مشاريعها الوهمية، بادعاء أنها تهدف إلى صد الهجمة الغربية علينا، وإحلال المشروع الإسلامي محل المشاريع العلمانية والليبرالية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالغرب المعادي لكل ما هو إسلامي.

فجأة، ودون مقدمات، أصبحت قضية عودة الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي المنتمي لجماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، هي الشغل الشاغل للغرب، ولإعلامه الذي لا يهتم عادة بقضايا الشرق إلا إذا كانت تخدم مصالحه ومصالح دوله، فغدت قضية "مرسي" محور المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية.

وانفتحت خطوط الاتصالات الهاتفية بين مسؤولين أميركيين كبار، على رأسهم الرئيس أوباما ووزير دفاعه تشاك هاغل، مع المسؤولين المصريين، للضغط على مصر كي تفرج عن مرسي، وبدأ إطلاق التهديدات بوقف المساعدات الأميركية السنوية البالغة مليار دولار ونصف المليار عن مصر.

وبدأت مطالبات السياسيين الغربيين بالإفراج عن الرئيس المعزول، ثم تطورت إلى طلب زيارته للاطمئنان عليه، ونتج عن هذه المطالبات زيارة المفوضة العليا للشؤون السياسية والأمنية في الاتحاد الأوربي "كاثرين آشتون" للرئيس المعزول، واطمئنانها على أنه بخير، يطلع على الصحف، ويتابع التلفزيون. وبعد أن تحققت هذه الزيارة، تلتها مطالبات سياسيين غربيين آخرين بمقابلته، وهو ما رفضته السلطات المصرية، كي لا يتحول محل احتجاز الرئيس المعزول إلى مزار عالمي.

هذا الاهتمام الغربي المفاجئ بجماعات الإسلام السياسي التي وصلت إلى سدة الحكم في دول "الربيع العربي" بدعم الغرب ورعايته، لا يفتح الأبواب واسعة على عوالم الدهشة فقط، وإنما يطرح العديد من الأسئلة عن الحرب التي أعلنها الغرب، ممثلاً بالولايات المتحدة وحلفائها، على الجماعات الإسلامية قبل أكثر من عشر سنوات، بدعوى أنها مصدر الإرهاب والداعم الأكبر له،.

وأسفرت هذه الحرب عن إزاحة أنظمة والإتيان بأنظمة بديلة لها تحت هذا الشعار، فكيف أصبحت هذه الجماعات وممثلوها، بين عشية وضحاها، رموزاً للديقراطية، وضحايا لأعدائها من جميع فئات الشعب التي خرجت بعشرات الملايين، رافضة استحواذ جماعات الإسلام السياسي على السلطة، وإقصاءها لجميع التيارات الأخرى التي تعتبر المفجر الحقيقي للثورة، بحجة أن الصندوق هو الذي جاء بها؟!

هذا هو القناع الذي سقط عن وجه الغرب، أما القناع الذي سقط عن وجه الجماعات التي تسمي نفسها إسلامية، فهو لجوء هذه الجماعات إلى الغرب والاستقواء به للعودة إلى السلطة، وهي التي طالما ادعت أن هذا الغرب الكافر هو العدو الأول للتيار الإسلامي، بكل أشكاله وأطيافه وحمائمه وصقوره!

وإلا فبماذا نفسر النداءات التي يطلقها قادة معتصمي "رابعة العدوية" للغرب كل يوم كي يقف معهم؟ وبماذا نصف إفساحهم المجال لوسائل الإعلام الغربية، كي تنقل الصورة التي يريدون نقلها إلى الغرب، في الوقت الذي يمنعون فيه وسائل الإعلام المصرية من دخول ساحة الاعتصام.

ويستولون على أجهزتها ومعداتها، بحجة أنها وسائل غير محايدة؟ وكيف أصبحت وسائل الإعلام الغربية، التي طالما وصفتها هذه الجماعات بالصهيونية، واتهمتها بالتحيز وعدم الموضوعية ومعاداة الإسلام، كيف أصبحت هذه الوسائل، بين عشية وضحاها، محايدة وموضوعية، ومناصرة للإسلام، وناقلاً أميناً يمكن الوثوق به؟!

ويبقى القناع التركي نسيجاً وحده، فتركيا التي شكلت على يد حزب "العدالة والتنمية" في عهد رجب طيب أردوغان، النموج الأمثل للحزب ذي الخلفية الإسلامية، المؤمن بالمسار الديمقراطي النابع من الرغبة الشعبية؛ تركيا النموذج تعرضت لهزة كبيرة خلال احتجاجات ميدان "تقسيم" التي تعاملت معها حكومة أردوغان بعنف، فاستخدمت مدافع المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق جموع المحتجين السلميين.

وتعاملت معهم الشرطة بقوة، واعتقلت منهم في اليوم الأول فقط أكثر من ألف محتج، رغم أنهم لم يلجؤوا للعنف، فلم يستخدموا الأسلحة، ولم يحرقوا الأشجار، ولم يلقوا بالأطفال من فوق أسطح البنايات، مثلما فعل أنصار "مرسي" المطالبين بعودته، وشاهده الجميع على شاشات التلفزيون، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ومع هذا بدا تدخل "أردوغان" في الشأن المصري واضحاً لصلح حلفائه الذين فشلوا في إدارة البلاد على مدى عام كامل، وانشغلوا بالاستحواذ على السلطة أكثر من انشغالهم بأحوال أهلها، فتبخر حلم "الخلافة الإسلامية" الذي ربما كان "أردوغان" يراهن عليه، أو يحلم به.

سقوط الأقنعة قد يبدو مفاجئاً للبعض، وقد يراه البعض طبيعياً في زمن التحولات الكبرى، لكن هذا السقوط لا شك محبط لأولئك الذين ما زالوا يراهنون على حلم "المدينة الفاضلة"، التي لم تعد موجودة إلا في نظريات الفلاسفة وخيالات الكتاب والروائيين فقط.. فهل يعني سقوط الأقنعة سقوط "اليوتوبيا" أيضاً؟ هذا ما لا نتمناه أبداً.