إذا قرر المرء في جامعة كامبردج دراسة إحدى اللغات، فإنه يطلب منه دراسة لغة أخرى يختارها باعتبارها لغة ثانية، وهذه اللغة الأخرى بدورها يتعين أن تكون من اختياره وليست مفروضة عليه، وذلك رغم أنه يشترط أن تكون لغة متصلة باللغة الأساسية التي اختارها. هكذا على سبيل المثال، فإن المرء لم يكن بمقدوره أن يدرس الصينية والفرنسية، وإنما كان عليه أن يجد لغة أخرى تشترك في الخصائص مع الصينية.
وفي حالتي، ساد الشعور بأن اللغة العبرية تشترك في العديد من الخصائص مع اللغة العربية، فهما على سبيل المثال لغتان تقومان على أساس جذور تتألف من أفعال ثلاثية منفصلة، وجميعها متوافقة. وهذه الخاصية المشتركة، جنبا إلى جنب مع الحقيقة القائلة إن والدي كان بدوره قد درس اللغة العبرية على يد الأستاذ نفسه الذي سيكون أستاذا لي، جعلت من الصعب علي ألا أوافق على أن تكون اللغة العبرية لغة ثانية لي.
لكن سرعان ما ندمت على الموافقة على هذا الخيار، وكنت قد بذلت قصارى جهدي لإقناع السلطات المعنية بأنني كنت قد درست الفارسية بالفعل، لأنني على الأقل كنت أعرف أبجديتها، ولكنني وجدت أن العبرية تفرض علي، وكان أحد أسباب ذلك - كما اكتشفت في ما بعد - أنها كانت المادة التي حصل فيها والدي على درجته العلمية.
وعندما تعلق الأمر بدخول امتحان عامي الأول، كنت الطالب الوحيد الذي دخل هذا الامتحان، ولم يكن من قبيل المصادفة، عندما ظهرت النتيجة، ليس فحسب أنني أحرزت نتيجة سيئة.
وإنما أنني رسبت تماما. وكانت مشكلتي الرئيسية هي أنني لم أتأقلم مع أستاذي، خاصة في ما يتعلق بعدم قدرتي الجلية على التعامل مع حقيقة أن لفظ الجلالة في اللغة العبرية "إلوهيم"، يتعين علي ألا أنطقه بهذه الشاكلة، حيث ينظر إليه على أنه اسم قدسي ينبغي أن يلفظ دوما على اعتبار أنه "أدوناي"، وهي كلمة في حقيقة الأمر تعني "سيدي".
ويبدو أنني كنت عاجزا عن القيام بهذا، وعندما كنت أقرأ بصوت عال على مسامع أستاذي الذي تصادف أنه كان يهوديا متشددا، كان يقف هنالك وقد وضع قلنسوة على رأسه العجوز، وارتسم تعبير ورع على محياه. وفي كل مرة وصلت فيها إلى لفظ الجلالة، كنت أشرع في نطق المقطع "إلو..." وعندئذ يضطر أستاذي إلى تحذيري من أن لفظ الجلالة في العبرية لا ينبغي أن ينطق كما هو مكتوب، وإنما ينطق دائما "أدوناي".
ولإضافة المزيد من الصعوبات مع هذا الأستاذ، فإنه كان الشخص المعين لكي يقرأ معي ذلك الجزء من القرآن الكريم الذي كان مقررا علي، وكان يحرص على أن يذكرني بزعمه أن كلمات معينة في اللغة العربية قد اشتقت أصلا من العبرية، وتم إدراجها في لغة القرآن الكريم.
وفي الوقت الذي تعين فيه دخول الامتحانات، كنت قد أقمت علاقة بالغة السوء بهذا الأستاذ على وجه التحديد، إلى حد أنه لم يجعلني أرسب في كل امتحانات العبرية فحسب، بل وفي الأجزاء المقررة علي من القرآن الكريم.
هكذا لم يكن مدهشا أني عندما طلب مني دخول امتحان ترايبوس عاما آخر من اللغات الشرقية، رفضت بحزم أخذ العبرية، وأصررت على دراسة الفارسية. وواجه هذا الاقتراح أقوى الاعتراضات، ولكنني أصررت عليه بعناد، بل وهددت بالتخلي عن الدراسة لدخول امتحان الترايبوس في اللغات الشرقية، وتغيير دراستي كلية إلى مادة أخرى مثل علم الإنسانيات.
في نهاية المطاف، وعندما بدا جليا أنني مصمم على عدم الاستمرار في دراسة العبرية، سمح لي بالتغيير إلى الفارسية، وكان لدي فصلان دراسيان فقط يتعين علي فيهما أن أدرس الكتب المقررة، والتي كانت عادة ما تدرس في فترة لا تقل عن 6 فصول دراسية، وعندما نشرت نتائج العام، تبين أنه بينما أعطيت جائزة المرتبة الثانية في العربية فإنني، لدهشة الجميع، حصلت على المرتبة الأولى في دراسة الفارسية.
والغريب أنني لم يقدر لي قط أن أستخدم هذه اللغة في أي وظيفة من الوظائف التي شغلتها، بينما طرأت ظروف على حياتي أفضت بي إلى إتقان اللغة العربية بشكل أفضل، وبالتالي أصبحت اللغة التي استخدمتها في مختلف الوظائف التي أسندت لي.