إذا كان هناك من موضوع لا يتجرأ أحد ـ مهما كان ـ من أن يقامر بماله فيه فهو موضوع السلام بين الفلسطينيين
والإسرائيليين، فالنتيجة حسب كل التجارب السابقة تشير إلى الخسارة وعدم النجاح في خلق أرضية من شأنها أن تحقق السلام بين الطرفين. وليس هناك ما يمكن أن يجعل الكثيرين يتفاءلون حول المساعي الأميركية الحالية التي يقودها وزير الخارجية الأميركية جون كيري لخلق أرضية من شأنها أن تحقق التسوية بين الطرفين.
ولكن تحليلنا السياسي يشير إلى أن الولايات المتحدة جادة هذه المرة لوضع حد لحالة اللاسلام القائمة بين الطرفين، وهو مؤشر إيجابي يجعلنا نتفائل بعض الشئ بأن هناك نتيجة ما يمكن أن تتحقق إذا ما سار الطرف الأميركي في المنحى الذي من شأنه أن يدفع نحو تحقيق السلام.
دائماً ما كان يقال بأن مفاتيح حل القضية الفلسطينية هي في واشنطن أكثر من أنها في أي عاصمة أخرى. وهذا صحيح، حيث إن فشل المحاولات السابقة لم تتضمن رغبة أميركية قوية لتحقيق السلام، فواشنطن قادرة من خلال أدوات الضغط التي تمتلكها التأثير على طريق المفاوضات للسير بها نحو ما يمكن أن يحقق النجاح إذا ما ضغطت على الأطراف المباشرة لتقديم تنازلات إيجابية.
لقد جاء باراك أوباما لسدة الرئاسة في واشنطن وهو كله حماس نحو صياغة وضع أميركي جديد من شأنه أن يضع حداً لحال الصراع القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وذلك إدراكاً منه بأن القضية الفلسطينية هي محور المشاكل في المنطقة العربية. لكن عاملين أساسيين وقفا في طريقه وأعاقا تحقيق رغبته تلك، العامل الأول هو الوضع الاقتصادي والسياسي الأميركي غير الإيجابي الذي خلقته إدارة الرئيس بوش الابن والذي جعل الرئيس أوباما يصب جل اهتمامه حوله لاسيما التراجع الاقتصادي الكبير والتأزم الأميركي العسكري في كل من العراق وأفغانستان.
. فالناخب الأميركي لم يكن يهمه ما يحدث في فلسطين قدر ما كان يهمه وضعه الداخلي المتراجع بسبب السياسات غير الناجعة التي كانت تتبعها إدارته السابقة. وفي مثل هذا الوضع لم يستطع الرئيس أوباما أن يفرد عضلاته على الحكومة الإسرائيلية وداعميها في واشنطن وهو يعلم بأنه في أمس الحاجة إلى الدعم الداخلي، لذلك تراجع عند أول اختبار له عندما لم يقبل نتانياهو دعوة الرئيس أوباما بوقف بناء المستوطنات، فكانت محاولاته بعدها خجولة ولم ترق إلى إمكانية تحقيق منجز في هذا الإطار.
والعامل الثاني كان اختياره لـهيلاري كلينتون لشغل منصب قيادة وزارة الخارجية، وهو المنصب الذي يضطلع به الترويج لمبادرات الولايات المتحدة الخارجية. الوزيرة كلينتون لم تكن طرفاً لديه الرغبة الفعلية للعب دور في إيجاد حل للقضية الفلسطينية، فهي لم تتحمس لها منذ البداية، بل ظل دورها المحافظة على الأمر الواقع وليس تغيره.
ولعل ذلك يعود لحاجة في نفسها تتمثل في رغبة الوزيرة كلينتون في أن تتولى هي نفسها هذا الملف إذا ما أصبحت رئيسة للولايات المتحدة. كانت الوزيرة كلينتون وما زالت تحمل في داخلها رغبة للوصول إلى الرئاسة، وبالتالي أرادت أن تؤجل القضية الفلسطينية إلى ما بعد وصولها إلى سدة الرئاسة لتعمل من خلالها حتى يصبح ذلك الملف منجزاً يمكن أن يرتبط باسمها واسم إدارتها إذا ما استطاعت أن تحقق إنجازاً حوله.
فهذان العاملان لم يخدما الرئيس أوباما في أن تكون لإدارته كلمة الفصل في ملف التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين لاسيما خلال فترة الأربع سنوات الأولى من ولايته. ولكن اليوم الوضع مختلف، فالوضع الاقتصادي الأميركي أفضل عن ما كان عليه قبل أربع سنوات، والولايات المتحدة بدأت في الخروج من العراق وها هي اليوم تخطط للخروج من أفغانستان. فالضغوط هذه المرة أقل بكثير عن ما كانت عليه في المرات السابقة.
بالإضافة إلى أن الوزير الجديد للخارجية هو شخص لا يحمل طموحات سياسية أكبر مما قد وصل إليها، فهو لا يطمع إلى أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة وليس لديه فرصة في ذلك كما هو الحال مع هيلاري كلينتون. لذلك فهو يطمع إلى أن ينهي حياته السياسية بإنجاز يرتبط باسمه، فليس أمامه ملف يمكن أن يكون بحجم ملف التسوية الفلسطينية. وهذا ما جعله يتحمس لهذا الموضوع، ويسعى إلى أن يضع كامل إمكاناته وقدراته لإنجاحه، ولعل هذا ما يفسر حماسه وقناعته بأنه قادر على فعل شيء في هذا الملف.
من هنا يجعلنا هذا الأمر أن تكون لدينا درجة من التفاؤل مما سيؤل إليه الوضع في المحاولة الأميركية الحالية للتسوية في فلسطين. بالطبع سيكون الطريق صعباً وصعباً للغاية، وستعتريه الكثير من العقبات التي سيضعها الإسرائيليون المتشددون وعقبات أخرى سيضعها الفلسطينيون المتشددون.
ولكننا على درجة من الثقة بأن المساعي الأميركية ستلعب هذه المرة دورها في تغير الوضع الحالي القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى وضع أكثر قدرة على تحقيق تسوية فعلية بين الطرفين. إن الحكومة الأميركية مقتنعة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأنها أمام فرصة يجب أن تستثمر، وإذا لم يتم ذلك فإن الوضع سيتأزم بشكل لن يفيد جميع الأطراف وخاصة الطرف الأميركي الذي يحاول أن يجد له دوراً إيجابياً يعزز مكانته المتذبذبة في المنطقة العربية مع فشله في التعامل مع التطورات الراهنة في المنطقة.