شيء طبيعي جداً ألا ينسى الحاضر والمستقبل رجلاً استطاع كتابة اسمه في التاريخ بنداوة يده ودماء عروقه ولهفات قلبه، على البعيد والقريب، وعلى الإنسان حيث كان، من دون تفريق ترسمه اللغة أو العرق أو الجنس أو الدين.. رجلاً قَبِل تحدي الزمان والظروف والمكان، فكان رجل وقته ومكانه، وواجه تفرقاً وتناحراً فصنع من أطرافه اتحاداً قوياً، وارتقى بإنسان الإمارات في بضع سنين، من ضروب البداوة والبساطة، إلى سباق التنافس العالمي على المقدمة والمراكز الأولى.. نعم، كيف يُنسى رجل بقامة زايد رحمه الله!
تسع سنين مرت على رحيله عنا، وكأنه لم يرحل، لكثرة ميراث الخير الذي تركه في شتى بقاع الأرض، فلا تزال تلهج بمبادراته الألسن، وتثني على عطاءاته القلوب، وتشكر أياديه البيضاء كل نفس عرفت زايد العطاء.. تسع سنين والذكرى حاضرة لا تغيب، لقائد أخرج البلاد من اللاشيء إلى كل الأشياء.. وصنع من ابن الإمارات نموذجاً إنسانياً عالمياً، معروفاً بين جميع أهل الأرض ببصمة الطيبة والعطاء..
جاءت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بإطلاق اسم يوم زايد للعمل الإنساني الذي يتزامن مع ذكرى وفاة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، في التاسع عشر من رمضان، لتعيد الحنين إلى ذكرى صاحب القلب والخير الإنساني العميم.
وخرجت هذه المبادرة من رجل يعرف قيمة العطاء الإنساني، وتربى في مدرسة زايد على الجود وحب الخير، ولتكون نافذة توقظ الإنسانية إلى المفاهيم البسيطة الجوادة المعطاء لكرامة الإنسان، وإلى الحق الأصيل في كل فرد منا على وجه الأرض، من دون أن يقف عرقه أو دينه أو جنسه عقبة أمام احترام إنسانيته.
هي مبادئ عاشها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وتفاعل معها في كل حركة من حركاته، وفي كل خطوة من خطواته، لأنه رحمه الله تعالى كان يرى أثمن ما في الإنسان أنه إنسان، وأن الحياة بمالها وخيراتها ومكتسباتها وذخرها وكنزها لا تساوي شيئاً إذا لم تخدم الإنسان، ولم تضع حداً لمعاناة المحتاجين، أو تضميد جراح المكلومين.
لا يزال التاريخ يذكر ويردد قاعدة ذهبية من قواعده الإنسانية، حين حاول البعض الاتكاء على خيرات الأرض وبترولها ليساوم في زايد الخير تقديسه للدم العربي، فقال في وجه الزمان إن "البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي".. عبارة بسيطة واضحة عميقة، ترجمها في مسيرة حياته اقتراباً وتلمساً لجميع حاجات الإخوة العرب، بل تعدى ذلك إلى حاجات الشعوب الأخرى ومعاناة المحتاجين في شتى دول العالم.
ولا نستغرب حين نعلم أن الإمارات في عهد زايد الخير والعطاء، قدمت مساعدات لأكثر من 117 دولة على مستوى العالم وصلت بمجموعها إلى ما يزيد على 90.5 مليار درهم. وسيراً على هذا النهج الكريم، تابع الخلف مسيرة السلف في سنة العطاء والخير، حتى تبوأت الإمارات المركز السادس عشر عالمياً على ساحة الدول الأكثر عطاء، قياساً بنسبة مساعداتها الخارجية من دخلها القومي الإجمالي.
نعم، نحن أبناء وبنات زايد الخير والعطاء لا نزال وسنظل نرفل في نعمة أبدع السبيل إليها المغفور له الشيخ زايد، وناصره عليها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وإخوانهما حكام الإمارات، لتخرج إلى الدنيا جوهرة الاتحاد الميمون، والتي لولا فضلها علينا، بعد الله تعالى، لكنا في غيابات التاريخ لا نعرف بعضنا بعضاً، فضلاً عن أن يعرفنا الآخرون أو الدنيا بأسرها.
زايد الإنسان يستحق أن يكون له يوم للعمل الإنساني الإماراتي، نبادر فيه إلى كل ما هو إنساني كامل فنعلي شأنه، ونمسك بمكتسبات بلادنا الإنسانية والوحدوية بقوة، لا تحكمنا العصبيات أو الأنا أو الذاتية الجوفاء، إذا كنا حقاً ورثة هذا الجيل الناصع من الكبار أمثال الوالد زايد، وإذا كانت ذكراه حاضرة في قلوبنا ولم تغب عنا، فنحن عند ذلك سنقدر على مواجهة كل ما يمكن أن ينال من وحدتنا، لأنها وحدة قامت على حب الخير والعطاء.