رغم كثرة ما يمكن أن يستفز الإنسان هذه الأيام، إلا أن أكثر ما استفزني خلال الأيام القليلة الماضية، هو صورتان لطفلين لا يتجاوز عمر كل منهما الثلاث أو الأربع سنوات بحد أقصى، تناقلتهما وسائل الإعلام المختلفة، يحمل أحدهما في الصورة الأولى كفنا على يده ماشيا به بين الجموع المحتشدة في إحدى الساحات لتأييد الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، بينما يظهر الآخر في الصورة الثانية مطلا على الساحة، وقد كُتِب على القميص الذي يرتديه من الخلف "أنا حمزة.. مشروع شهيد".

صورتان تلخصان، في رأيي، المشهد الذي وصل إليه فكر التطرف لدى الجماعات التي يُطلَق عليها "إسلامية".

وهو فكر أبعد ما يكون عن هذا الوصف، لأنه فكر يربي أبناءه على العنف والقتل، في حين أن "الإسلام" يستمد اسمه من "السلام" المناقض لهذه الفكرة تماما، لأنه الدين الذي جاء ليقضي على العنف، ويدعو إلى تكوين مجتمعات آمنة مسالمة، تنطلق لنشر رسالة السلام في بقاع العالم أجمع، وإشاعة ثقافة الحياة لا الموت بين البشر.. فكيف حولت هذه الجماعات الفكرة؟ وكيف شوهت الرسالة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نبحث عن إجابة له، بعد التمعن في الأساليب التي تستخدمها هذه الجماعات في نشر فكرها، أو بالأحرى فرض هذا الفكر على المنتسبين إليها والمعارضين لها، على حد سواء.

تحميل الأطفال الأكفان، والزج بهم بين جموع الكبار في الميادين والساحات، وتحويلهم إلى مشاريع شهداء وهم في هذه السن الصغيرة التي لا يعرفون فيها شكل الكفن، ولا يفهمون معنى الشهادة، واستخدامهم دروعا بشرية، جرائم يحاسب عليها القانون، لأنها انتهاك صريح لطفولة هؤلاء الصغار الذين تتفتح عيونهم ومداركهم على الأكفان والموت، وهم لا يزالون في مقتبل الحياة.

واستخدام هذه الأساليب لم تعرفه البشرية إلا على أيدي هذه الحركات التي تستغل الدين لمصلحتها، فلا ترى سوى نفسها، ولا تعترف إلا بنفسها، ولا تثق إلا بنفسها، ولا تصدق إلا نفسها. لذلك تجد عقول قياداتها والمنتسبين إليها مغلقة، وتجد أفكارهم ذات اتجاه واحد لا تحيد عنه، فهي لا تقبل الاختلاف، ولا تعرف قواعده.

هؤلاء الأطفال الذين هم تحت سن الدراسة، ليس هذا مكانهم. واستغلالهم بهذا الشكل دليل ضعف، وليس دليل قوة، فالفكرة القوية لا تستغل الضعفاء كي تثبت قوتها وجدارتها وأحقيتها بالحياة.

الأفكار الضعيفة فقط هي التي تستقوي بالضعفاء، وتستخدمهم دروعا بشرية، وتستغلهم كي تستمد قدرتها على البقاء، أما الأفكار القوية فهي التي توفر الحماية للضعفاء، ليس الحماية الجسدية فقط، وإنما الحماية النفسية، وهي الأهم لهذه الفئة، خاصة الأطفال الذين يجب أن يعيشوا في بيئة آمنة بعيدة عن العنف، كي ينشؤوا على السلام والمحبة وكراهية الدم، لأن العنف يولّد العنف، والدم يستدعي الدم.

 ولكن يبدو أن هؤلاء قد استمرؤوا العنف وعشقوا رائحة الدم، لذلك فهم حريصون على تنشئة أبنائهم على عشق هذا اللون وحب هذه الرائحة، وإلا فبماذا نفسر مثل هذه الصور التي لا تصدمنا فقط، وإنما تستفزنا إلى الدرجة التي نذهب معها إلى البحث عن تفسير لها؟

هؤلاء الأطفال الذين شاهدنا صورهم يحملون أكفانا، أو يرتدون قمصانا تحمل مثل هذه العبارات، ليسوا مشاريع شهداء، وإنما هم مشاريع إرهابيين وقتلة، إذا لم يجدوا من ينتشلهم من هذا المستنقع، لأن من وضع في أيديهم هذه الأكفان، وكتب على قمصانهم هذه العبارات يدمر وطنه، ويعذب أبناءه ويقتلهم، ويهاجم أفراد الجيش والشرطة الذين يؤدون واجبهم في حماية الوطن.

ومن يقدم على ارتكاب جرائم وأفعال من هذا النوع، لا يمكن أن يرعى مشاريع شهداء، لأن الشهيد هو من يموت دفاعا عن وطنه، وهؤلاء يموتون دفاعا عن أشخاص يختزلون فيهم الوطن كله، ويقتلون أناسا يختلفون معهم في الرأي، وليس العقيدة، رغم أن الاختلاف في العقيدة لا يبرر القتل في عرف الإسلام وكل الأديان السماوية التي عرفتها البشرية، منذ عهد أبينا آدم، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

واضح أننا نعيش مرحلة صعبة من مراحل تاريخنا الذي تحاول هذه الجماعات، التي تدعي أنها إسلامية، كتابته بالدم.

وواضح أنها ليست المرة الأولى التي تمر فيها الأمة بمرحلة مثل هذه، فقد فعلها الخوارج الذين أطلقوا على أنفسهم اسم "جماعة المؤمنين" إبان الفتنة الكبرى، بعد أن انخدع الناس بكثرة عبادتهم، لكنهم كفّروا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودبروا مكيدة لاغتيال علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، بعد حادثة التحكيم الشهيرة.

وكانت مكيدة نجا منها معاوية وعمرو، وقتل علي، كرم الله وجهه، على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم، ليبدأ فصل جديد من فصول تاريخ الأمة.

الذين نراهم اليوم يستغلون الأطفال باسم الدين، ليسوا إلا نسخة جديدة من أولئك الخوارج، تحاول أن تفرض علينا فكرها ومنهجها بالقوة، وتعمل على تشكيل جيل يكون امتدادا لها، يحمل الراية بعدها.

لذلك علينا أن نُفشل هذا المخطط، عبر إعادة طفولة هؤلاء الصغار إليهم قبل كل شيء، فمشاريع الشهادة التي يحاول هؤلاء الإرهابيون تشكيلها عبر هؤلاء الأطفال، مشاريع فاشلة لن تنتج لنا إلا قتلة وإرهابيين جددا، يهدمون ولا يبنون، والأمة بحاجة إلى بناة لا هدّامين، وإلى مشاريع بناء لا مشاريع هدم، إلى من يحرص على قوة هذه الأمة، ولا يعمل على تفتيتها وإضعافها.