الإيغال في العمر له صعوباته الخاصة، ومعظم هذه الصعوبات معروفة للجميع، فنحن نعلم جميعا أنه يأتي عليك ذلك الحين من الدهر عندما تجد الصعود والهبوط على الدرج أمرين صعبين وخطيرين، وتجد أيضا أن نظرك لم يعد جيدا حسبما كان، وبصفة خاصة أن ذاكرتك لم تعد تسعفك كما اعتدته منها في السابق.
ولكن الشيخوخة، في اعتقادي، تطرح على المرء سلسلة مؤلمة للغاية من الأحداث المتتابعة، وهي موت أولئك الذين كانوا أصدقاء مقربين لك، والذين تجد أنهم فجأة ودون سابق إنذار، يختفون من حياتك ويتركونك لتتأمل ذكريات ذلك الشخص الذي اعتاد أن يشغل مكانة خاصة في حياتك. وبين الناس الذين أدموا فؤادي بهذه الطريقة من خلال رحيلهم عن عالمنا، أخص بالذكر الكاتب محمد البساطي.
فقد ربطتنا صداقة وثيقة العرى على امتداد سنوات عديدة، عندما كنا نلتقي كثيرا بقدر ما نستطيع في أحد مقاهي القاهرة الكثيرة أو ربما في شقتي، ثم جاء ذلك الوقت الذي توقفنا فيه عن اللقاء وجها لوجه، بسبب المرض الذي أعجزه عن الخروج من داره، غير أنه بفضل الهاتف الذي كنا نستخدمه باستمرار استمرت أحاديثنا بصفة عامة، حيث نتبادل المعلومات حول العمل الأدبي الذي يعمل كل منا على إنجازه في وقت تبادل الحوار.
وكان البساطي يستخدم أيضا طريقته الخاصة في الفكاهة، للحديث عن الكتاب الآخرين الذين نعرفهما، ثم جاء ذلك الوقت الذي قمت فيه بطلب رقمه، ورحت أصغي لرنين الهاتف وأواجه الدهشة النابعة من أنه ما من أحد يرد، وبعد ذلك بوقت قصير طالعتني الصحيفة العربية اليومية التي أقرؤها، بخبر رحيل محمد البساطي عن عالمنا، ولم يكن هناك ما يسعني القيام به باستثناء كتابة مقال قصير عن مكانته في الأدب العربي الحديث، وهي مكانة في اعتقادي لم تحظ بالأهمية التي تستحقها.
إنني أعتقد أن البساطي ككاتب للقصة القصيرة، رغم تأليفه للعديد من الروايات القصيرة الجديرة بالاهتمام، يستحق أن نتذكره، فالقصة القصيرة، رغم أنها لا تتمتع بالطول الذي تحظى به الرواية، تعد عنصرا مهما في الأدب المصري. وفي حقيقة الأمر فإن مؤلفا بريطانيا معروفا أطلق مقولة غالبا ما يقتطفها الكثيرون، مفادها أنه بينما يمكن نسيان رواية ما بسهولة، فإن القصة القصيرة الجيدة تعلق بالذهن.
تخرج محمد البساطي، الذي ولد عام 1937 في قرية صغيرة بدلتا النيل قرب بحيرة المنزلة، من جامعة القاهرة عام 1960، وأمضى حياته في العمل بالخدمة المدنية، وبدا جليا من الأحاديث العديدة التي تجاذبنا أطرافها، أن أعماله كانت تدور حول سجون مصر العديدة والسجناء المودعين فيها.
وأتذكر أنه قال لي ذات مرة إن المساجين الذين حكم عليهم بالإعدام كانوا يختلطون بالمساجين الآخرين، ولكنهم كانوا يميزون عنهم بارتداء ملابس حمراء اللون.
ورغم أن البساطي أمضى حياته العملية في الخدمة المدنية، فإن اهتمامه كان منصبا على الكتابة التي بدأ ممارستها عام 1960 تحت تأثير مجلة "جاليري 68" الطليعية، وكان أول كتاب له هو مجموعة من القصص القصيرة رأت النور في 1967، عندما نشر مجموعة من القصص التي ترجم الكثير منها إلى اللغات الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الإسبانية والإيطالية، وقد حصل على جائزة العويس في 2001، وعلى جائزة سوارس في 2008.
تدور غالبية كتابات البساطي حول الحياة في قرى الدلتا وسكانها البسطاء، وذلك رغم أنه هو نفسه اختار القاهرة للإقامة فيها. وقد أدهشني أن أعلم منه أنه لم يزر قط ذلك المكان الذي ولد وترعرع فيه، والذي أصبح في وقت لاحق مسرحا للجانب الأعظم من كتاباته.
أتذكر أنني قرأت في وقت مبكر قصة كتبها البساطي بعنوان "حديث من الطابق الثالث"، والتي تقوم فيها امرأة تحمل طفلا على ظهرها بزيارة سجن أودع فيه زوجها، وتحاول الحديث معه بينما شرطي على ظهر حصان يقف غير بعيد، ويبلغ السجين زوجته بأنه سينقل عما قريب إلى سجن آخر، وسيعلمها به عندما يعلم هو.
وتروى القصة بأبسط الأساليب، وتنتهي على النحو التالي: "نظرت بهدوء إلى الشرطي وكانت عيناه مغمضتين ويداه على لجام الحصان وتجمد الحصان في موضعه بلا حراك.. ومضت في الممر الضيق نحو الشارع الرئيسي".
كانت هذه القصة هي التي اخترتها لإدراجها في أول كتاب يضم قصصا قصيرة مصرية مختارة أصدرته في 1978، وقدر لي في وقت لاحق أن أنشر مختارات من قصصه القصيرة تحت عنوان "كوب شاي أخير". وفي آخر كتاب أصدرته، جمعت 60 عاما من القصص المصرية القصيرة تحت عنوان "الوطن"، ومن الطبيعي أنني أدرجت فيه إحدى قصص البساطي، وكانت بعنوان "الغرفة المجاورة".
كانت قصة بسيطة يرويها رجل يشغل غرفة مجاورة لغرفة أخرى تعيش فيها امرأة مع ابنها الصغير، والقصة قصيرة وبلا أحداث، ولكن لها مناخها الذي يسوده الفقر الذي يعيش فيه كثير من المصريين. وهذا مدرج ضمنيا في القصة لأن البساطي، الذي يظل هو نفسه على الدوام منفصلا عن قصصه، يتطلب من قارئه قدرة على استيعاب المناخ والأحداث التي تتألف القصص منها.
وبرحيل البساطي فقد الأدب العربي كاتبا ذا موهبة استثنائية، وهي موهبة في اعتقادي لم يتم الاعتراف بها بالقدر الذي تستحقه.