ونحن نستقبل العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل، نستمطر شآبيب الرحمة والغفران على روح والدنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، هذا الرجل الذي كان بقامة أمة وبهمة وطن وبعزيمة شعب وبطموح دولة. وعندما نستذكر والدنا اليوم في شهر العطاء والخير، وفي ذكراه التي تتزامن مع يوم العمل الإنساني الإماراتي، فإنما نستذكر البنيان الشامخ والطود الأشم الذي يمثل اليوم المرجعية الأخلاقية والإنسانية والوطنية، لكل مواطن ولكل مقيم على هذه الأرض الطيبة.

والحديث عن الشيخ زايد رحمه الله في المنظور الإنساني، حديث ذو شجون من الممكن الاستفاضة فيه بلا حدود، وذلك لما عرف عن المغفور له من محبة الناس والعطف عليهم دون تمييز أو تفريق. تأملوا معي في هذا الموقف الإنساني البديع الذي يرويه عنه نجله الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

يقول سمو الشيخ محمد بن زايد: «في أواخر عام 1980 زرت دولة إفريقية، وبعد عودتي سألني الوالد، المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد رحمه الله، عن أحوال تلك الدولة ووضعها الاجتماعي وأحوالها المعيشية، خصوصاً قبيلة فيها من غير المسلمين، وبعد معرفة الوالد، رحمة الله عليه، بكل التفاصيل، سألني: ماذا فعلت لهم؟ أجبت: لم أفعل شيئاً لأنهم من ديانة أخرى».

ويواصل سموه قائلاً: «أمسك والدي بيدي وطالعني في عينيّ لثوانٍ وقال: من خلقك خلقهم، اذهب واحفر لهم بئراً، ويضيف سموه أنه يوجد الآن في هذا المكان 29 بئراً، ومستشفيات ومراكز طبية وآبار في 27 قرية».

لاحظوا الدرس البليغ الذي يقدمه زايد لابنه ولأبناء شعبه في هذا الموقف الإنساني النبيل.. هل تستغربون بعد ذلك أن تكون أيادي الإمارات وأيادي عيال زايد البيضاء تصل إلى مختلف أصقاع الأرض شرقاً وغرباً، من دون تمييز بين مواطن وغير مواطن، أو عربي وغير عربي أو مسلم وغير مسلم؟ إنه الخير الذي امتلأت به نفس زايد ففاض وأعطى بلا منة ولا أذى، وبقصد واحد هو رضى الله وطاعته.

والحقيقة أن الذاكرة وشهادات من عملوا مع المغفور له الشيخ زايد مليئة بالأمثلة والشواهد على سلوك الشيخ زايد الإنساني وأعماله الخيرة وطبيعته الرحيمة بالناس، حتى مع المخالف والغريب وحتى مع الطير والشجر، وكيف لا وهو الإنسان البدوي العربي المسلم الذي نهل من تراث آباء عظام ومن تعاليم دين سمح حنيف.. وكان في ذلك كله مدرسة نتعلم منها الكثير الكثير.

يستوقفني مثلاً معاتبته لأحد العاملين معه على إخفاء طلب مساعدة من شخص يهودي. وقال الشيخ زايد له: "اعطه ما طلب، ليعلم أن الإسلام دين حنيف لا يفرق بين المعتقدات، ولكنه رسالة للإنسانية جميعها".

ولا ننسى بالطبع إنسانيته مع الأشقاء، حيث لم يكتف بالمنح التي كانت تقدم كعلاقة دولة لدولة، وإنما قدم أيضاً المنح التي تمس الناس في حياتهم اليومية، مثل مدينة الشيخ زايد في البحرين ومدينة الشيخ زايد في قطاع غزة، وكذلك مدينة الشيخ زايد في مصر والتي تبلغ سعتها الإجمالية 500 ألف نسمة، في منازل ومرافق متكاملة ومساجد ومدارس وحدائق.

ولا ننسى هنا مشروعات مؤسسة زايد بن سلطان للأعمال الإنسانية، التي تتوزع على مختلف أرجاء الأرض بين كليات تعليمية وجامعية ومستشفيات ومساكن أيتام، ومشروع تلقيح أطفال فلسطين، بل والتي وصلت إلى حد إنتاج معجم زايد ومعلمة الفقه الإسلامي في 40 مجلداً.

 ومن الجوانب المهمة في شخصية الشيخ زايد الإنسانية، وفاؤه للعهد وإنسانيته مع ذوي صحبته وإجارته للمستجير به، كما في استضافته لحاكم قطر الأسبق الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني بعد خلعه من الحكم، حيث دعاه للإقامة في الدولة معززاً مكرماً لسنوات طويلة، وكذلك استضافة الرئيس الجزائري بوتفليقة حوالي عشرين عاماً قبل تسلمه الرئاسة، واستضافة الرئيس السابق لليمن الجنوبي علي ناصر محمد عدة سنوات بعد سقوط نظامه عام 1986.

وتستوقفني كذلك رعايته حتى للحيوانات المهددة بالانقراض مثل غزال المها، واشتراطه على الدول التي طلبت إهداءها توفير الظروف البيئية المناسبة لمعيشتها، بل وزاد في العطاء أن تصدق لإطعام الطيور في منطقة كانت طيورها تعيش على فتات الناس.

لقد تحولت دولة الإمارات العربية المتحدة بفضل الله ثم بفضل دروس الشيخ زايد ومتابعة صاحب السمو رئيس الدولة وصاحب السمو نائب رئيس الدولة وسمو الشيوخ، إلى واحدة من أكثر الدول المانحة عطاءً حول العالم، ومن يلاحظ خريطة عمل مكتب تنسيق المساعدات الخارجية سابقاً ووزارة التنمية والتعاون الدولي حالياً، يفاجأ بحجم ما تبذله هذه الدولة حكومة وقيادة وشعباً من عطاء على امتداد الكرة الأرضية.

من هذا المنظور جاء قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، باعتماد يوم التاسع عشر من رمضان ذكرى رحيل زايد الخير، يوماً للعمل الإنساني الإماراتي، لأن سموه الذي عمل مع زايد عن قرب يعرف أن إرث زايد الخير لم يكن المادة فحسب، وإنما النفوس الكبيرة والعطاء الخير.. عطاء من تعلم من قائده الراحل ومؤسس اتحاده، أن الإنسانية والعمل الإنساني والعطاء الإنساني جزء أساسي من شخصية الإنسان الإماراتي، ومكون رئيسي من مكونات هويتنا الوطنية.

واستلهاماً منا لشخصية زايد ومآثره، قمنا نحن في برنامج "وطني الإمارات" بمحاولة متواضعة لتكريم ذكرى الشيخ زايد رجل الإنسانية الأول، وذلك بإطلاق جائزة وطني الإمارات للعمل الإنساني، تقديراً لشخصيات إماراتية ممن يعكسون في بصماتهم السامية، هوية وطنية إماراتية راسخة، وأجمل وأروع القيم المجتمعية الإماراتية النبيلة.

ويتزامن عقد الجائزة مع يوم "العمل الإنساني" الإماراتي في 19 من شهر رمضان المبارك، في ذكرى رحيل الوالد الباني. وقد اخترنا أن تُقام الجائزة في دورتها الأولى تحت شعار ذي معنى عميق وهو "هذا ما كان يحبه زايد"، من أجل ربط هذا اليوم الإنساني بالميراث الثري من القيم والفضائل والشمائل التي أرساها الشيخ زايد، طيب الله ثراه.

وفي دورتها الأولى، نتشرف في برنامج "وطني" أن نقدم "بصمة الشخصية الإنسانية الذهبية" إلى حرم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، سمو الشيخة هند بنت مكتوم بن جمعة آل مكتوم، وإهدائها لقب "أم الخير" تتويجاً واعترافاً بخيرات وعطاءات سموها التي لم تعرف حدود الأرض والسماء، وهي التي رافقت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وقد كانت على الدوام رفيقة درب أمينة، وصاحبة أيادٍ بيضاء كريمة، لها بصمات واضحة جلية لا ينكرها القاصي ولا الداني، وهي أم الشيوخ وتكريمها تكريم للمرأة الإماراتية أيضاً في مختلف مواقعها.

إننا كإماراتيين، ونحن نستعيد اليوم ذكرى والدنا الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في يوم العمل الإنساني الإماراتي، فإننا في الوقت نفسه لا نمن على أحد ولا نؤذي من مددنا له يد المساعدة يوماً، لأننا تعلمنا من والدنا زايد أن العطاء جزء من شكر النعمة، وبعض من واجبنا الأخلاقي عن هذه الثروة التي ائتمننا الله تعالى عليها، ولأننا ندرك أن الشخصية الإماراتية كانت ولا تزال تنهل من نبع زايد الخير معاني المشاركة الإنسانية والأخلاق النبيلة، في نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج...

ولا غرابة في ذلك أبداً، فنحن الشعب الوحيد الذي يتفاخر بأنه يدعى باسم "عيال زايد" زعيم الإنسانية، ويا له من فخر أن ننتسب إلى هذا الرجل.. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الجنة عنا وعن كل من كان له فضل عليهم.