في متحفٍ بمدينة ديترويت أنشأه هنري فورد يتواجد باص قديم له قيمة خاصة، إذ بدأت به شرارة ما يعرف بالحقوق المدنية أوائل الستينات عندما رفضت روزا لويس باركس ذات الأصول الإفريقية أن تترك مقعدها لشخصٍ أبيض ليؤدي اعتقالها لإضراب قاده القس مارتن لوثر كينغ لمدة 381 يوماً انتهى بإلغاء كل أشكال التمييز العنصري في الولايات المتحدة ولينتهي معه عهد طويل من الإفلاس الإنساني والأخلاقي.

واليوم وبعد مرور قرابة النصف قرن من تلك الحادثة ها هي ديترويت تسقط في إفلاس جديد ظاهره اقتصادي وباطنه أخلاقي بحت تؤزّه ذات النزعة الفوقية للبيض وجشع الرأسمالية الذي لا ينتهي، فلأول مرّة يقوم حاكم ولاية أميركية ليعلن إفلاس مدينة كبرى بحجمها بعد أن أصبحت المدينة ترزح تحت وضع مأساوي بلغت ديونه المستحقة 18 مليار دولار، وهجرها الأثرياء البيض لمدن مجاورة أو للضواحي الثرية وحملوا معهم مصدر الرزق الوحيد للمدينة ألا وهو صناعة السيارات والتي كانت ديترويت تمثل عاصمتها في العالم أجمع بوجود مقرّات الثلاثي الشهير: جنرال موتورز وفورد وكرايزلر، فأُغلقت العديد من المصانع بحثاً عن أماكن أخرى ذات عائد أفضل وتكلفةٍ أقل.

الرأسمالية لا تعترف بالإنسانية ولا تؤمن بالعواطف، فهي لا ترى إلا الدولارات ولا ترضى إلا بملء جيوب أربابها بالمزيد والمزيد حتى لو كان على حساب حياة الآلاف المؤلفة من الأُسَر البسيطة، وللتزاوج المشبوه بين السلطة والمال هناك كانت ديترويت تسقط بتسارعٍ تعامى عنه ساسة البيت الأبيض حتى استفحل الداء واستحال الدواء، ليصحو العالم على واقعٍ مرعب لمدينةٍ كانت تعتبر رمزاً للهيمنة الأميركية الاقتصادية، فالحقائق مفجعة وهي تشير إلى تقلّصٍ في عدد السكان من 1.8 مليون قبل نصف قرن إلى 713 ألفاً حالياً، يمثل السود منهم 82% بينما لا تزيد نسبتهم الإجمالية في الولاية على 13%، ويعتبر 50% من السكان (أُميّين) فعلياً، بينما 60% من الأطفال دون خط الفقر، وبلغ معدل البطالة 18% أي أكثر من ضعف المعدل القومي، وهناك أكثر من 78 ألف عقار مهجور بما نسبته 33% من مساحة المدينة البائسة، والمزري أكثر أن ثلثي سيارات الإسعاف معطلة و40% من أعمدة إنارة الشوارع لا تعمل، بينما تستغرق الشرطة 58 دقيقة للاستجابة لنداءات الاستغاثة مقابل 11 دقيقة كمعدل وطني وليس ذلك بعائدٍ لتقاعسهم ولكن لقلة عددهم وعدم قدرتهم على حل إلا 7% من القضايا فقط مما جعل مجلة فوربز تختار ديترويت كأخطر مدينة أميركية لأربع سنوات متتالية!

كيف يعقل أن يحدث ذلك في قائدة العالم؟ إنّه الجشع والكبرياء الأحمق للإدارات المتعاقبة على المدينة والذي جعلهم يضعون كل البيض في سلّة واحدة، بمعنى أن تقوم حياة ديترويت على صناعة السيارات، فانهارت بانهيارها وهرب الرأسماليون الأثرياء بحثاً عن أماكن أخرى تُدرّ أموالاً أكثر، لتصحو المدينة على واقع مرير ومستقبلٍ مظلم بعد أن ورّطتها تلك الإدارات في مسارٍ وحيد وفشلت جامعاتها وكلياتها العديدة من أن تتنبأ بخطورة الاعتماد على مصدرٍ يتيمٍ للاقتصاد، فلم يكن هناك بُد من اللجوء لإعلان الإفلاس وفق الفصل التاسع بعد أن تقلّصت عوائد الضرائب للنصف لهجرة الأثرياء، وعدم القدرة على الوفاء بتكاليف صناديق التقاعد والتأمين الصحي، والمضحك المبكي أن الحكومة الأميركية رفضت تماماً أية نيّة للتدخل مالياً لإنقاذ ديترويت، لكنها قبل ثلاث سنوات دفعت 80 مليار دولار لإخراج شركتي جنرال موتورز وكرايزلر من قانون الإفلاس، ليستبين وجه الرأسمالية الكالح أكثر في مسارعته لإنقاذ أصحاب رؤوس الأموال وتقاعسه عن مدينةٍ كاملة من عائلات السود الفقيرة.

ستبدأ مراحل العلاج إن وافقت المحكمة على طلب إشهار الإفلاس- ربما بعد شهور أو سنوات ببيع أصولٍ مملوكة للمدينة من أجل إيجاد سيولة نقدية، كما ستضطر لرفع الضرائب وخفض الرواتب ومخصصات التقاعد والتأمين الصحي وهو الأمر الذي سيواجَه بلا شك بمظاهرات من النقابات العمالية، لكن لا يوجد بين يدي المدينة العديد من الخيارات في ظل رفض الحكومة للتدخل المالي، ورغم أن إعادة تسويق المدن المتهالكة صعبٌ للغاية إلا أنه لابد من محاولة جذب قطاعات استثمارية متنوعة مع منح تسهيلات ضريبية مشجعة لهم لتحريك اقتصادها وخفض مستويات البطالة العالية والتي تحتاج بدورها لجهود مكثفة من الكليات والمعاهد الفنية لإعادة تهيئتها بما يتناسب وطبيعة القطاعات المستهدفة.

الفشل لا يحدث فجأة بل يمر بمراحل عديدة، لكن تجاهل الفاشلين وأصحاب المصالح هو ما يجعل القشور اللامعة تُخفي الباطن المريض، والحالة ستتكرر لأن البعض لا يريد أن يتعلّم أو ربما لا يريد أن يُصدِّق أنّه معرض للخطر أيضاً، فشيكاغو مثلاً ترزح حالياً في ديون تبلغ 19 مليار دولار ولا يمكن لولايتها إيلينوي أن تمد لها يد العون وهي بدورها تعاني عجزاً قيمته 97 ملياراً لصناديق التقاعد، وفي مسحٍ لأكبر 61 مدينة أميركية وُجِد أن 75% منها قادر على تغطية التزامات المعاشات ولكن 6% فقط قادر على تغطية تكاليف التأمين الصحي، وبلغت الفجوة بين ما تملك الحكومات المحلية من سيولة وبين التزامات التقاعد مبلغاً قدره 1.38 تريليون دولار، وكم هو غريب أن يحدث كل هذا عند من يتبجّح بها العديد من الاقتصاديين والساسة بكلمات وعبارات ومنهجياتٍ طنّانة لكنها لا تُنبِتُ واقعاً حقيقياً هذه الأيام، لِتُثبِتَ لنا أن هناك الكثير من البشر ممن يحلو له ترداد الأقوال الذكية لأنها تجعلهم يبدون أكثر ذكاءً عن حقيقتهم، وها هو التمييز قد خرج من الباب في ديترويت لكنه عاد من النافذة، ولا بأس أن يتم إخراج الباص من المتحف حالياً علّه يجد روزا باركس جديدة!