أظهرت سيدة أوروبية حبها للفلاحين المصريين، وقد بدأت بأن تحدثنا عن أن الفلاح المصري اليوم مولع بالقصص والحكايات، تماماً كما كان أسلافه في تلك الأيام الخوالي التي زار هيرودوت خلالها مصر. ولو تعين على المرء البحث عن سبب لذلك، فمن المؤكد أن هذا السبب سيتمثل في أن الفلاح المصري قد ورث إحدى أصعب اللغات في العالم، ولذلك كان مضطراً للاعتماد في الترفيه عن نفسه على سرد القصص على يد رواة محترفين، وهي بصفة عامة قصص مستمدة من كتب مثل «ألف ليلة وليلة» التي اشتهر بها العالم العربي.. ويقال لنا إن معظم قرى مصر لديها على الأقل راو واحد من هذا القبيل.

وكقاعدة عامة فإن هذا الراوي يمتهن حرفة ما يعمل بها نهاراً، أما سرد القصص فهو شيء يحتفظ به للأمسيات عندما يجتمع رجال القرية كعادتهم في دار واحد منهم، أو في حانوت أو مقهى، والنساء عادة لا ينضممن إلى هذا الجمع. وهكذا فإن الراوي يجد نفسه حراً في استخدام لغة ربما تشمل بعض الكلمات، سواء كانت بالعربية الفصحى أو العامية، التي تحذف عادة بعناية عندما يعاد سرد مثل هذه القصص.

والسيدة الأوروبية المقصودة هنا، وهي الكاتبة وينفريد بلاكمان، تعرف راوياً أو اثنين من هذا القبيل، وقد سجلت الكثير من قصصهم. وفي البداية وإلى أن جعلت معرفتها بالعربية من هذا الأمر شيئاً غير ضروري، كانت تضطر لدعوة أحد المدرسين إلى مكان اللقاء لمساعدتها لغوياً، وعندما كان الجميع يلتقون في مقر مختار كانت القهوة تقدم للجميع، وعندئذٍ يجلس الراوي متربعاً على الأرض، وبعد لحظات من التأمل يبدأ في رواية حكايته.

كان أحد الرواة المفضلين لدى وينفريد بلاكمان رجلاً يعمل صباغاً، وكان في طفولته يستمع للقصص التي يعود بعد ذلك ليرويها لرفاقه في العمل. وكانت قصص مختلفة تروى في الجلسة الواحدة، وكان خدم هذه السيدة الأوروبية يحضرون عادة مثل هذه الجلسات. وفي وقت لاحق، اتصلت براوٍ آخر وهذا الراوي كان يعمل سقاء بالنهار، وقد أكد لها البعض أن هذه القصص لم تسجل كتابة قط، ومن هنا شعرت بأن جهودها ستكون لها فائدة حقيقية مع مرور الوقت، وعندما يبدو أن الرواة يصبحون مخلوقات تنتمي إلى عالم لن يعود له وجود في القريب العاجل. وهكذا اقتنعت بأن تسجيلها لهذه لقصص يستحق الوقت والعناء.

وقد أدرجت وينفريد بلاكمان في كتابها الذي يحمل عنوان «فلاحو الصعيد»، إحدى القصص التي رواها راو كانت الكاتبة تعرفه، وهذه القصة تحمل عنوان «خفا حنين».

تبدأ القصة بالقول: «كان هناك في سالف الأوان صانع أحذية يدعى حنينا، وقد أقبل عليه بدوي وأعرب عن رغبته في أن يشتري زوجاً من الأحذية، ولكنهما لم يتفقا على السعر، وتشاجرا معاً. واستبد الضيق بحنين ورغب في أن يعلم البدوي درساً قاسياً»..

وهكذا فإنه عندما علم حنين بأن البدوي في سبيله لعبور الصحراء، حمل معه خفين ومضى يسير في الطريق الذي عرف أن البدوي سيسلكه. وفي مسيرته وضع أحد الخفين على الأرض، أما الخف الآخر فقد وضعه في الطريق على بعد ميل من الخف الأول، ثم اختبأ خلف شجرة قريبة من الخف الثاني.

عندما مر البدوي بالخف الأول حدث نفسه بأن هذا الخف يشبه خف حنين، وتركه في موضعه على الأرض ومضى لشأنه. وواصل سيره إلى أن وجد الخف الثاني على بعد ميل، عندئذٍ قال لنفسه: «لا بد لي من أن أترك الراحلة وأعود لأخذ الخف الأول». وهكذا انطلق البدوي عائداً إلى موضع الخف الأول تاركاً راحلته، فنزل حنين من على الشجرة ومضى بالراحلة مغتبطاً.

عندما عاد البدوي إلى الموضع الذي ترك فيه راحلته، اكتشف أنها قد اختفت فمضى يبحث عنها، وعندما لم يجدها تأبط الخفين وانطلق عائداً إلى داره، ولدى وصوله إلى هناك سأله أقاربه: «ما الذي أحضرته؟» فرد قائلاً: «أحضرت خفي حنين».

وهذا القول الذي ذهب مثلاً، أي «عاد بخفي حنين»، يقال عندما يعود أي شخص جالباً معه أشياء تافهة بدلاً من أشياء عظيمة القدر.