في الأسبوع الماضي زارت «آشتون» مفوضة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي القاهرة والتقت بقيادات النظام الجديد في مصر. سبقها أيضاً وليام بيرنز نائب وزير الخارجية الأميركية في محاولة لتهدئة الأجواء المعادية للسياسة الأميركية والمطالبة بطرد سفيرتها في القاهرة التي أسرفت في الإعلان عن تأييدها لجماعة الإخوان.

المسؤولان الأميركي والأوروبية كررا التأكيد على احترام إرادة الشعب المصري، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لمصر. الرسالة كانت واضحة بأن أميركا وأوروبا تدركان أن صفحة قد طويت في مصر، وأن عليهما استكشاف طرق التعامل مع الأوضاع الجديدة.

لكن يبدو أن الإخوان لا يريدون أن يصدقوا ما يرونه، أو أنهم مازالوا يعيشون على الأوهام التي صنعوها أو صنعها الآخرون لهم.

عندما تم الإعلان عن دخول سفينتين حربيتين أميركيتين للبحر المتوسط قبل أسبوع، أذيع ذلك علي المعتصمين في منطقة "رابعة العدوية" ليتعالى الهتاف والتكبير، وكأن هناك من يريد أن يصدق أن أميركا ستخوض الحرب لإرجاع حكم الإخوان.. وفي زيارة "آشتون" للقاهرة استقبلت وفداً من الإخوان وخرج أحد أعضاء الوفد من قادة الجماعة يقول بحزن "إن آشتون لم تقدم أي حل جديد".. وكأنهم ينتظرون الحل من الخارج وكأنهم لا يصدقون أن الصفحة طويت وانتهي الأمر.

ولا يتوقف الأمر هنا عند حدود الاعتراف بالواقع الجديد في مصر. فالموقف الأميركي الرسمي في تطوره يصل إلى تصريح وزير الخارجية "كيري" بأن تدخل الجيش المصري بعد 30 يونيو أنقذ مصر من خطر الحرب الأهلية.

 وفي نفس الوقت كان الاتحاد الأوروبي يُحمّل الإخوان المسؤولية عما حدث حين كشف عن أنه كان قد توصل إلى اتفاق في إبريل الماضي وافقت فيه جبهة الإنقاذ المعارضة على خوض الانتخابات البرلمانية مقابل قيام الرئيس المخلوع مرسي بعدة إجراءات منها إقالة النائب العام الذي عينه بالمخالفة للقانون، وتعديل قانون الانتخابات، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على الانتخابات وتضمن نزاهتها، لكن ما حدث بعد ذلك أن مكتب الإرشاد أصدر تعليماته لمرسي برفض الاتفاق، لتتفاقم الأزمة حتى سقط حكم الإخوان مع تجدد الثورة في 30 يونيو.

وكما كان الإخوان بارعين في القراءة الخاطئة للواقع وهم في الحكم، يواصلون الآن السير في نفس الطريق.

يتحرك الإخوان الآن في اتجاهين.. تصعيد العمليات الإرهابية في سيناء ومحاولة نقلها إلى داخل الوادي. ثم محاولة إشاعة الفوضى وشل الحركة في القاهرة. ربما كانوا في البداية في حالة "عدم تصديق" لما حدث، وتوهم لإمكانية العودة ولو بتدخل أجنبي. الآن تعرف القيادات حقيقة الوضع وتدرك أن اللعبة انتهت، ولكنها تبحث عن خروج آمن. والمؤسف أنها ـ بما تفعله ـ تبتعد كل يوم عن مثل هذا الخروج!

ومع فشل محاولات نشر الفوضى، تغمض هذه القيادات عيونها عن حقيقة أن معركتها أصبحت مع المجتمع كله، وليس مع الشرطة أو الجيش أو أي فيصل سياسي.

الآن تحارب قيادة الجماعة معركتها الأخيرة بحثاً عن خروج آمن لم يعد ممكناً بعد كل ما ارتكبته من جرائم. تحتمي هذه القيادات بالمخدوعين والغلابة الذين تحشدهم في ميدان "رابعة العدوية" وغيره من الميادين. تعرف أنها تخوض معركة خاسرة ولكنها ترسلهم لمحاولة نشر الفوضى وتعطيل سير الحياة. لا يهمها أن تراق الدماء، كما لا يهمها أن تتبنى عمليات الإرهاب في سيناء. يسيطر عليها أن سقوطها في مصر يعني السقوط النهائي، وأن مصيرها سوف يكتب مصير الحركة في العالم العربي كله.

نفس التصور كان يهيمن على التنظيم الدولي للحركة وهي تجتمع في إسطنبول الأسبوع الماضي، وتقوم بتسريب ما قيل إنه مخطط لمقاومة السقوط يحاول أن يبث بعض الصمود في تنظيم مصر قبل الانهيار.

ونفس التصور كان لدى قيادة تركيا التي تدرك أنها لن تكون بعيدة عن دفع ثمن السقوط لنظام راهنت هي أيضاً عليه، وكانت الصلة بينه وبين أميركا والغرب، وتصورت أنها من خلاله ستستطيع توسيع نفوذها وتوطيد مكانتها في المنطقة واستعادة مجد الماضي من خلال "العثمانية الجديدة" التي بشرت بها كطريق لزعامة المسلمين السنة، فإذا بها تواجه الآن خطر انتقال ميادين التحرير إلى ميدان "تقسيم"، وترى كما يقول وزير خارجيتها أوغلو مشهد "الدومينو العكسي" بدءاً من سقوط نظام الإخوان في مصر وآثاره على باقي الأنظمة المشابهة!

الآن.. بدأت حركات انشقاق عن الجماعة خاصة من الشباب، وأصبح معروفاً تصاعد الخلاف في القيادة عن مسؤولية ما حدث، بين «القطبيين» بزعامة المرشد وبين قيادات أقل تشدداً تريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فهل ينجح هؤلاء في إسقاط القيادة التي أوصلت الجماعة إلى هذه المحنة، أم أن علينا انتظار المزيد من العنف والإرهاب الذي تعودت عليه هذه القيادات وهي تكمل طريق الانتحار الذي اختارته؟