الهوية ليست حالة قائمة بذاتها يمكن عزلها عن العوامل الفاعلة فيها ولكنها نتاج تفاعل النظم المكونة للمجتمع منها النظام الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي ومنظومة القيم السائدة والميراث التاريخي لتقدم لنا بالأخير حالة خاصة مميزة لشعب دون آخر.
ولأن الأمر على هذه الدرجة من الأهمية، ولأننا نعيش عصر الكلمة والصورة، فقد توقفت طويلا وأنا أقلب صفحات "كتاب هويتنا الإعلامية من صحيفة الفريج إلى الصحافة العالمية" للأستاذة علياء حسن، مديرة الاتصال الحكومي بالمجلس الوطني للإعلام، والتي استهلت مقدمته بمقوله للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله - يؤكد "على شعبنا ألا ينسى ماضيه وأسلافه كيف عاشوا، وعلى ماذا اعتمدوا في حياتهم، وكلما أحس الناس بماضيهم أكثر وعرفوا تراثهم أصبحوا أكثر اهتماما ببلادهم وأكثر استعدادا للدفاع عنها".
وفي تقديري إن تاريخ الشعوب، وهو أحد العوامل الفاعلة والمؤثرة في تشكيل هويته، ليس ما يسطر في كتب التاريخ فحسب ولكن هناك كتاب مرئي ومسموع ومكتوب على صفات الجرائد والأثير، كما أن الصورة هي الذاكرة المرئية للشعوب.
لذا فإن الهوية الإعلامية هي الوجه الكاشف للهوية الوطنية، وهي المعبرة عنها؛ وجزء مهم من معرفة مسيرة شعب وسيرة رجالة وقادته يتأتى من خلال رصد رحلته مع الإعلام بمختلف وسائله التي تتلمس حركة الشعوب وتتأثر بأحداثها يوما بعد يوم بل ساعة بساعة، ولأن أبناء الوطن قبل غيرهم معنيين بمعرفة هذه المسيرة كانت أهمية هذا الكتاب الذي يتحدث عن تاريخ وسائل الإعلام الإماراتية بمختلف أنواعها، ولأن المجال لا يتسع فآثرت أن تكون البداية بالصحافة عبر مراحل بدأتها الكاتبة بصحافة الرواد ثم صحافة الاتحاد ثم صحافة الانفتاح على العالم، مؤكدة على أن الاستعمار الإنجليزي وممارساته القمعية ضد رجال الفكر والثقافة في الإمارات، منذ أن بدأت هيمنتهم على الساحل بعد عقد معاهدة السلام مع حكام الإمارات في العام 1820م، أدى إلى تأخر ظهور المطابع الوطنية في الإمارات حتى عام 1958م، وهو العام الذي افتتحت فيه "مطبعة الرضوان" في دبي، والتي أسسها محمد علي الرضوان، ثم أسس الأديب هاشم بن السيد رضا الهاشمي "المطبعة العمانية" في عام 1963م، وفي نفس العام أطلق خليفة جمعة النابودة "مطبعة دبي" وبعد ذلك قاد سفينة المطابع السيد علي السيد رضا الهاشمي حتى أطلق عليه اسم "عملاق المطابع" في منطقة الشق الأوسط.
وبسبب الانفتاح الفكري والثقافي والعلمي، الذي انتهجه مجتمع دولة الإمارات، على الدول المجاورة، وتأثر التجار بما ساد من فكر مستنير لرواد مثل محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي، ورواد الخليج مثل عبد الوهاب حجي، ومبارك سيف الناخي وغيرهم ممن ساهموا في تطور وازدهار الصحافة أصدر إبراهيم بن محمد المدفع رائد الصحافة الشعبية "صحيفة عمان" عام 1927م، وكانت تصدر بدورية نصف شهرية.
ثم حدث تطور ملموس في خمسينات القرن الماضي وبالتحديد عام 1955م حين صدر العدد الأول من مجلة "الاتحاد البريدي"، كما صدرت عام 1955م مجلة "أخبار دبي" عن المكتبة العامة بدبي، وفي عام 1966 أنشأ صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي صحيفة أسبوعية بعنوان "اليقظة"، ثم أصدرت أبوظبي الجريدة الرسمية لحكومتها عام 1968م، وفي العام 1969م قام سيف بن سعيد بن غباش وبعض أدباء رأس الخيمة بالإشراف على مجلة "أخبار رأس الخيمة".
و تشهد الإمارات نقلة نوعية وكمية حين ننتقل من مرحلة الرواد إلى مرحلة صحافة الدولة وتأسيس الاتحاد، والتي بدأت مسيرتها بصحيفة "الاتحاد" التي صدر العدد الأول منها في أكتوبر عام 1969م، وهي الفترة التي شهدت السعي الدؤوب والعمل المتواصل الذي كان يقوم به الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله - مع إخوانه حكام الإمارات لتحقيق حلم قيام الاتحاد.
وفي أكتوبر 1970م صدر العدد الأول من صحيفة الخليج على يد تريم عمران - رحمه الله - وأخيه د. عبد الله عمران، وتجلت رسالتها في الدفاع عن القضايا الوطنية والقومية ومناصرة الحق في كل مكان وترسيخ مشروع وحدوي في الخليج بعمق عربي وانتماء قومي، وترسيخ الهوية الحضارية العربية والإسلامية، والتأكيد على استقلالية الثقافة العربية.
وصدر العدد الأول من صحيفة "الوحدة" في أغسطس عام 1973م على يد مؤسسها راشد بن عويضه القبيسي، ثم صحيفة "صوت الأمة" في مارس عام 1975م والتي أسسها سلطان عيسى الجابر عضو المجلس الوطني لإمارة أبوظبي آنذاك، وهي نفس الفترة التي شهدت إصدار عبيد المزروعي صحيفة "الفجر".
ولأن القارئ في دبي كان متعطشا لمجلة أو صحيفة تعكس بدقة حجم الرخاء والتطور والتقدم الذين تشهدهما الإمارة خصوصا في المجال الاقتصادي الذي بدأ يلفت أنظار العالم، ولم تكن مجلة "أخبار دبي" لمحليتها تعبر عنه بما يكفي صدر العدد الأول من جريدة "البيان" في مايو 1980م، والتي تميزت صفحاتها باللون المائل للصفرة على غرار صحيفة "فايننشال تايمز". وجاء أسمها "البيان" أي البلاغ وإجلاء الحقائق، كما أنها أطلقت سلسلة من الملاحق الأسبوعية، التي تخصصت في مجالات مختلفة تناسب أفراد المجتمع كان أولها الرياضة والشباب عام 1981م.
وفي نوفمبر عام 2000م صدرت صحيفة الوطن ومؤسسها الشيخ سعيد بن سيف آل نهيان، كما صدر العدد الأول من صحيفة الإمارات اليوم في سبتمبر عام 2005م وهي معنية بالشأن المحلى بالدرجة الأولى، ثم صحيفة الرؤية في مايو 2007م .
أردت من هذا التطواف في تاريخ الصحافة الإماراتية في كتاب هويتنا الإعلامية أن أقدم، غيضا من فيض، تجربة زاخرة تؤكد على أن مسيرة الصحافة الإماراتية تراكمت عبر سنوات ممتدة جذورها ضاربة في أرض هذا الوطن، كما أنها قامت على أكتاف أبناء الإمارات ابتداء، وأغناها أبناء أمتنا العربية.
إنني أود أن يعرف أبناء وطننا جهد الأجيال السابقة واللاحقة في تأسيس منابر إعلامية تصدح بصوت وطنهم وتعبر عن قضاياه، لذا فإن الدخول في مجال العمل الصحفي فرض وطني على أبنائه مهما كلفهم ذلك من مشقة، إن هذا الجهد التوثيقي من الكاتبة علياء حسين يستحق التقدير والدعم ويسد فراغا في المكتبة الإعلامية الوطنية؛ أما عن مرحلة الانطلاق للصحافة العالمية والإذاعة والتليفزيون فذاك حديث آخر.