يعد التفاوت الاقتصادي في الدخول والعوائد وسوء توزيع الثروات والموارد، أحد أبرز أسباب الانتفاضات الشعبية العربية المتفاعلة. ندرك أن هذا التفاوت لازم المجتمعات المنتفضة لعشرات السنين.. لكنه بلغ في العقد الأخير حداً مذهلاً.

وكان إقدام البوعزيزي في تونس، أيقونة ما يسمى بالربيع العربي، على إحراق نفسه، تجلياً واضحاً لاستشعار العامة من ملح الأرض بانسداد الحد الأدنى من فرص الحياة أمامهم. من بين ما أدى إلى تفاقم هذا الواقع الاقتصادي الاجتماعي المرير، تعرض التيارات الأيديولوجية والسياسية، المعنية بمقاومته والتخفيف من حدته، إلى الضعف والهشاشة. فبعد انهيار الظهير الاشتراكي العالمي، آوت قوى اليسار العربي بكل أجنحته إلى الظل أو ارتضت بالتهميش أو غادرت مواقعها وانزوت..

وفي تقديرنا أن ضمور هذه القوي معطوفاً على انحسار خطاب التيار القومي أو انكساره، سمح بتمدد التيارات الإسلامية، على النحو الذي نسمع ونرى، وذلك بغض النظر عن مدى حجيتها واستقامتها الفكرية أو السياسية. ربما كانت هذه التعميمات ومثلها مفهومة في الفضاء الاجتماعي السياسي العربي. لكن ما قد يكون مدعاة للتأمل بأثر مستقبلي، هو إطلال إرهاصات لتحولات تتفاعل بنعومة وإطراد على الشاطئ الشمالي للمتوسط، بما يغري بالمشابهة والمحاكاة مع ما جرى ويجري في جنوبه.. تحولات تتعلق تحديداً بتصدع الأوضاع والمكانات الاقتصادية وأنماط توزيع الثروات؛ التي طالما استقرت في علاقات المجتمعات الأوروبية ببعضها البعض وداخل هذه المجتمعات.

لقد مضت التجربة الاتحادية الأوروبية منذ منتصف القرن الماضي وهي محفوفة بالتفاوت، بين دول وقطاعات اجتماعية غنية في الوسط والشمال، وأخرى أقل حظاً يقع معظمها في جنوب القارة. وكان هذا معلوماً للآباء الاتحاديين ومناصريهم. وفي هذا الإطار قبلت الدول الغنية بسط يد العون للشركاء الجنوبيين، درءاً للنفوذ الشيوعي ومحاولة للدفع بوعود اقتصادية تستقطب القطاعات الفقيرة، بالمعنى النسبي طبعاً، خلف الرؤى الاتحادية.

والحق أن هذه الآلية التكافلية نجحت في تحقيق أهدافها. غير أن هذا النجاح ألقى بأعباء زائدة على أغنياء أوروبا الغربية ولاسيما ألمانيا وفرنسا وبلجيكا. والجديد هو أن هذا العبء الذي ظل مقبولاً لعقود بات اليوم مدعاة لتأفف البعض وسخطهم، بحسبه سبيلاً إلى هيمنة أو سيطرة الأغنياء، الألمان بخاصة، على القرار الأوروبي. وبغض النظر عن دواعي الشكوى والوجل من نفوذ الأغنياء المتعاظم، فإن الأمر ينطوي على اعتراف بأن الاتحاد الأوروبي لم يتمكن من دحر اللامساواة بين أعضائه، بحيث أنه أصبح منقسماً بين دول دائنة ومترفة ومهيمنة وبين دول أخرى معوزة ومدينة.

الجديد أيضاً، أن عامة الأوروبيين داخل الدول الغنية والفقيرة نسبياً على حد سواء، راحوا يستشعرون تسارع عجلة عدم التكافؤ في فرص العمل والأجور وانحدار الكثيرين منهم إلى البطالة، بما في ذلك بعض ذوي الكفاءات الرفيعة والمؤهلات العليا.

يقول جون موينهان، كبير الاستشاريين في إحدى الشركات البريطانية الكبرى، بأن "رواتب المديرين قياساً برواتب الموظفين في بعض الدول الأوروبية تبلغ واحداً إلى 243، ومثل هذا الفارق الفلكي يقوض التماسك الاجتماعي".

ويذهب مختصون آخرون إلى أن الأوضاع الاقتصادية، بما فيها الاعتماد على نقل بعض الصناعات إلى دول العمالة منخفضة التكلفة، تمثل تربة غنية لاندلاع ثورات "فمتوسط الراتب اليومي للعامل في أوروبا يصل إلى 135 دولاراً، بينما يتقاضى نظيره في المناطق الصينية والهندية 12 دولاراً فقط . الأمر الذي يشكل مصدر خطر محدقاً في الغرب عموماً، طالما استمرت رياح العولمة، حيث ينقل رجال الصناعة والرأسماليون معاملهم إلى عوالم أخرى، مخلفين وراءهم عمالة تؤول إلى البطالة". ومن الأمثلة التي يتم تداولها بالخصوص، أن شركة آبل هي صاحبة أكبر رأسمال في الولايات المتحدة، لكن عدد عمالها هناك لا يزيد على 4 آلاف عامل مقابل 700 ألف عامل يتبعونها في آسيا.