كنتُ ومازلتُ مؤمناً بصواب تلك الجملة الشهيرة التي أطلقها الحافظ ابن حجر العسقلاني عندما قال : "من تكلّم في غير فَنِّه أتى بالعجائب"، فمتى ما ابتعد الإنسان عن مجال تخصصه كان خطؤه أكبر من صوابه، ولو اكتفى كل شخص بما يعرفه ويُحسنه ولم يقتحم تخصصات الآخرين لسقط الكثير من الخلاف ولكان تناغم المجتمع ومثقفيه أكثر وأجدى وأنفع.
يؤلمني ما أراه من تطاول البعض على الفقهاء وعلماء الملّة، وتنصيبهم كشمّاعات لإخفاقات المجتمعات النائمة في العسل، وهنا وعطفاً على مقدمتي فإنني أعني الفقهاء في مجالهم الشرعي البحت وليس القلّة منهم ممن قفز إلى أتون السياسة فأتى بعجائب ابن حجر وكان أثره السيئ أكبر من أن يُعالج بسهولة، فنحن لسنا كالمسيحية التي يحتكر فيها الكهنوت تعاليم الرب، بل نحيا ديننا وتعاليمه في كل جوانب الحياة ومن يطالب بالكمال فذاك ليس بينه وبين الواقعية رباطٌ ولا وشيجة.
هناك من ما زال تلميذاً نجيباً لكتب عصر التنوير الأوروبي وتمرّد شعوبها على سطوة رجال الدين، فيسحب أطروحاتها كما هي على مجتمعاتنا ويجلب بخيله ورجله بحثاً عن فتاوى شاذة لطلّابِ علمٍ لم نسمع بهم لكي يبرهن على صواب ما يدعو إليه من كون "رجال الدين" يؤخرون الأمة عن اللحاق بركب الشعوب المتقدّمة، وكأن رؤيته لتطوير نصوص الشريعة وفتح مجال فهمها لمن يشاء كما يرى هو طوق النجاة لنا، وكأنّ ذلك أشبه بزرٍ تضغط عليه فيختفي ذاك الجدار الذي يفصل شعوب العالم الثالث عن شعوب العالم الأول ليلحقوا بهم "ويعيشوا في سبات ونبات ويخلّفوا صبيان وبنات "!
إنّ قرآننا الكريم لم يأتِ للحجر على العقل أو المعارضة للمنطق، بل جاء حاثّاً على التفكير والتأمل والتساؤل ونبذ التقليد الأعمى، ولم نجد من مفسرينا الكبار محاولةً لتقنين تلك الأوامر الربانية أو تحجيم أفقها الواسع، وإنّي لأتحدى من يأتينا بآيةٍ أو نصٍ ثابت كان سبباً لتأخرنا الحضاري، فإسلامنا كان مشعلاً في عصور الجهل المظلمة ولن يكون إلا كذلك دوماً، ولا شأن له بضيق عطن بعض العادات والأعراف والتي وضعها عبثاً البعض وأضافوا لها قدسيةً ليست لها بمحل، أو فتوى خارج السياق لشخص يحاول التسلق على أكتاف المخالفة للمعلوم.
إنّ البعض يُدلّس إمّا عمداً أو جهلاً عندما يخلط بين جمود عدد من الفقهاء في أحكامٍ تمس الفروع في الفقه، وبين أصول العقيدة وإطار الشريعة العام الذي أتى لتسهيل حياة البشر وحفظ كرامتهم وحقوقهم، فقرآننا يقول "اقرأ" وليس "لا تقرأ"، ولم يُعلِ شأن الجمود والتقوقع على الذات بل وبّخ المقلّدين والمعطّلين لعقولهم ممن يلهج لسانه دوماً بمبرر "إنّا وجدنا آباءنا على أمّةٍ وإنا على آثارهم مقتدون" ليضع التساؤل الصادم لعقليات آثرت الجهل واتباع القطيع والتعامي عن معرفة السبب بقوله: "أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون" !!
دعواتٌ بعضها لرفض موروثنا برُمّته وأخرى تطالب على استحياء بذات الأمر وأخرى تحاول التلبيس واسقاط مكانة العلماء لخطأ أحدهم أو أحد المنتسبين زوراً لهم، والحل الناجع عند أغلب تلك الدعوات هو أن نكون نسخة مقلدة من فئة Made in China للغرب، وأن نأخذ مالديهم بأكمله من حسنٍ ورديء فتلك هي الضريبة المطلوبة للتقدّم، حتى أصبح العلماء والفقهاء مكسوري جناحٍ في هذه الأيام، فكل من أراد الظهور سلقهم بطيش قلمه أو سلاطة لسانه، وكأنهم أمسكوا بأيادي الأخ ستيف جوبز حتى لا يخترع أو أخفوا خوذة الأخ نيل أرمسترونغ حتى لا يخطو على سطح القمر.
إن بُناة الحضارة هم الناس الملتزمون وليس المنفلتون، وعماد المجتمعات هم من يكون حاله ترجماناً للعمل المضني وليس وقيعةً في المجتهدين أو تسكّعاً في أماكن العبث، فالشعوب التي ترى الانفلات حضارة واشباع الغرائز مدنية وانفتاحاً لم تفعل شيئاً أكثر من انزلاقها أكثر للبهيمية بما يُعّدّ ارتكاسة وانتكاسة عن الرقي البشري، فمن يصنع التويوتا هو عامل ياباني مجد وليس راقصة أو طبال، ومن يكتشف الأمصال وترياق الأمراض المزمنة هم أطباء نذروا حياتهم للبشرية وليس المهتزّات على نغمات السالسا أو مرتادو الحانات وكازينوهات اللهو والقمار، ومن يُنظّر استراتيجيات التنافسية العالمية هو مايكل بورتر وليس شاكيرا.
لو نظرنا لنتاجنا المعرفي فلن نجد أحداً يسبق فقهاء الإسلام وعلماءه في غزارة الإنتاج وقوة الطرح وعمق المضمون، في بيانٍ جليٍ من هؤلاء العلماء على احتفائهم بالمعرفة، بينما نام البقية وانشغلوا بالنواح والتباكي على المجد الذي ولّى كما تنوح العجائز، فمشوّش البصيرة لا يرى إلا الشاذّ من الأمور ولا ينتبه ويشاغب إلا على فتوى ممجوجة رفضها عامّة العلماء عن رضاعةٍ للكبير أو رأيٍ يتسق مع عادات مجتمعٍ كمنع قيادة المرأة للسيارة، ولم يلتفت لتلك المؤلفات العظيمة في الفكر والعقيدة والشريعة ومعارفها ومقاصدها وفي فقه النوازل وفقه الواقع لأنه أقصر قامةً من أن يستطيع مجاراة ذلك النتاج فضلاً عن مناقشته أو انتقاده أو تصويبه، وسامح الله تويتركم أخرج لنا من هؤلاء الذين من أجل استجداء الأضواء لا ينفكون عن رمي حجارتهم تجاه ديننا العظيم وعلمائه، ولن يُغيّر في الموضوع شيئاً إن قاموا بتلوين تلك الحجارة لتبدو أجمل مظهراً.