فاشية «الإخوان» أثناء حكم الجماعة الذي ابتليت به مصر لمدة عام، لا توازيه إلا فاشيتهم بعد السقوط، حين يفكرون أن الشعب هو الذي أسقطهم حين خرج ثلاثون مليون مصري إلى ميادين التحرير في كل أرض مصر، وحين يشيعون أننا أمام "انقلاب عسكري "وهم يعرفون أن الجيش لم يفعل إلا ما فعله في ثورة يناير 2011 حين انحاز للشعب ونفذ إرادته، وحين تأخذهم حالة الإنكار إلى إعلان الحرب على الشعب والجيش والشرطة، متوهمين أن دعم أميركا الذي أوصلهم للحكم بعد ثورة يناير، قادر على إعادتهم للحكم مرة أخرى رغم إرادة شعب مصر.

مع ظهور بوادر انحياز جيش مصر لإرادة الشعب، كان لافتاً تهديد "الإخوان" بتحويل مصر إلى سوريا ثانية، وإنذار جيش مصر (على لسان القيادي الإخواني عصام العريان) بمصير كمصير جيش البعث السوري، ثم الإعلان بعد ذلك عن تكوين ما سمي بـ"الجيش الحر" من بعض العصابات الإرهابية التي كانت أحد جرائم حكم مرسي ان ترك لها المجال للعبث في سيناء.

ولا مجال هنا لمحاولة الهروب من المسؤولية عما يحدث في سيناء بعد أن وقف القيادي الإخواني الآخر محمد البلتاجي ليؤكد أن الهجمات التي تستهدف قوات الجيش والشرطة في سيناء ستتوقف في نفس اللحظة اذا عاد مرسي للحكم، وهو ما يعني ان علينا ان نتوقع المزيد من العمليات الإرهابية التي يتبناها "الإخوان" الآن علناً، بعد ان كانوا يدعون براءتهم منها.

 وهكذا شهدنا على مدى الأيام السابقة تصاعداً في العنف واستباحة للدماء غير مسبوقة. هاجموا ميدان التحرير، وحاولوا قطع الطرق، وقتلوا رجال دين مسيحيين، وعلى طريقة حماس في غزة ألقوا بالأطفال من أعلى المباني، ثم كانت كارثة الهجوم على الحرس الجمهوري والتي أسفرت عن عشرات الضحايا.

التصعيد من جانب "الإخوان" كان يستند إلى الدعم الإميركي، وإلى نصائح السفيرة الأميركية المكروهة من الجميع في القاهرة آن باترسون لكن "الإخوان" يدركون ان هذا الدعم لن يستمر طويلاً، وان المهلة التي أعطيت لهم لتفجير الموقف لن تطول للأبد، وأن الإدارة الأميركية سوف تضطر لابتلاع الهزيمة والتعامل مع الواقع الجديد الذي يستند إلى تأييد شعبي كاسح، وإلى دعم عربي مؤثر.

التصعيد من جانب الإخوان سوف يكون عاملاً معطلاً بعض الشيء لجهود الإنقاذ، ولكنه سيكون انتحاراً بالنسبة للجماعة التي بدأت أصوات المعارضة ترتفع داخلها، وبدأ الشباب فيها يتحرك ضد القيادة الحالية المتطرفة التي تمثل أفكار سيد قطب التكفيرية.

لكن الأهم هو ما يحدث على الجانب الآخر، وكيف يتم عبور المرحلة الانتقالية الصعبة في ظل ظروف بالغة التعقيد. إن الملايين التي خرجت في 30 يونيو لتسقط نظام الإخوان وتستعيد الثورة ليست مستعدة على الإطلاق لتكرار الأخطاء التي وقعت بعد ثورة يناير 2011.

لقد كان جيداً أن عزل مرسي ترافق مع خريطة طريق توافقت عليها القوى الوطنية وتعهد فيها الجيش بألا يشارك في الحكم أو يكون طرفاً في الصراع السياسي، واستقر فيها الأمر على فترة انتقالية قصيرة للغاية، وعلى تلافي ما حدث قبل ذلك والبدء بالدستور قبل انتخابات البرلمان والرئيس القادم.

لكن ما حدث بعد ذلك يكشف عن شيء من الارتباك في إدارة الأمور لا تحتمله الأوضاع الدقيقة التي تمر بها مصر. كان هناك إعلان دستوري صدر قبل التشاور مع الأطراف المختلفة وأثار كثيراً من التحفظات والمخاوف، خاصة حول "مجاملة" حزب النور السلفي في المادة التي تتعلق بالشريعة والتي كانت مثار خلاف كبير حين تم إقرارها في دستور 2012 المعطل. ثم كان هناك أيضاً هذا الارتباك في اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، حيث كان اعتراض "حزب النور" هو الذي أبعد الدكتور البرادعي عن رئاسة الحكومة. ثم كان الاضطراب مع ترشيحات أخرى حتى استقر الأمر على الدكتور حازم الببلاوي.

مفهوم ان يكون هناك حرص على وجود حزب" النور" السلفي في الجبهة التي تقوم على تنفيذ خارطة الطريق للمرحلة الانتقالية، لكن ذلك لا يعني أن يكون له حق "الفيتو". لقد وقف الحزب على الحياد ولم يشارك في الثورة الشعبية في 30 يونيو، ومع ذلك فلا أحد يطالب باستبعاده، بل ان يكون شريكاً يمنع تصوير الصراع على أنه صراع ديني وليس سياسياً.

على الجميع ان يدرك أن المعركة لم تنته، وان أمامنا فترة صعبة للغاية تحتاج لجهد الجميع وتضحياتهم، وان الحفاظ على وحدة الصف الوطني التي أنجزت 30 يونيو امر ضروري، وأن على القوى السياسية ان تدرك ان جماهير الشعب التي خرجت عن بكرة أبيها إلى الميادين في أكبر حشد شهدته البشرية هي التي اسقطت نظام الإخوان الفاشي. ما تحقق حتى الآن كان نتيجة لصراع وقف فيه الشعب كله في مواجهة حكم الإخوان الفاشي وحلفائه من الجماعات الإرهابية. سقط الحكم لكن الصراع سيبقى حتى استئصال الإرهاب واستسلام الفاشيين لإرادة الشعب.