تفوق الرئيس المصري المعزول محمد مرسي على سلفه المعزول أيضاً حسني مبارك، بقدرته الفائقة على كسب استياء ونفور شعبه، فما حصده مبارك على مدى ثلاثين سنة حصد مرسي أضعافه في سنة واحدة فقط، فخلق بذلك كل المبررات للثورة عليه وعلى حزبه.
ثورة الشعب المصري الأخيرة حظيت بإعجاب واحترام العالم أجمع وتميزت بحيويتها الشبابية المتجددة وبانضمام القوات المسلحة بكل ثقلها إلى جانبها. ثورة تميزت قياداتها بالقدرة على تنظيم الجماهير الرافضة والغاضبة في حشود مليونية فاقت بعددها الحشود التي أسقطت مبارك.
اختزل الشعب المصري فترة إسقاط نظام مرسي إلى ثلاثة أيام فقط بعد أن استغرق إسقاط نظام مبارك أضعاف هذه المدة.
الفشل المتميز الذي سجله الإخوان المسلمون في مصر بزعامة الرئيس المعزول مرسي يستحق التوقف عنده لأن تداعياته لن تقتصر على مصر، بل من المحتمل أن تنسحب على مصير تنظيمات سياسية تعمل تحت واجهات دينية إسلامية في دول عربية أخرى، وذلك لأن إخوانيي مصر قدموا تحت ستار الدين وجلبابه نموذجاً سيئاً للحكم، وأثبتوا بأنهم لا يؤمنون بالقيم الديمقراطية وممارساتها وإنما استفادوا من آلياتها للوصول إلى السلطة فحسب.
اختُطفت الثورة الأولى من أصحابها الحقيقيين وهم الشباب أصحاب أجندة التغيير التي تتطلع نحو المستقبل وصودرت أحلامهم، إذ سرعان ما أصدر الرئيس مرسي تشريعات قانونية منح فيها نفسه صلاحيات استثنائية وأصدر دستوراً لعب حزبه الدور الأكبر في صياغته ليصبح في الحقيقة "دستور جماعة" وليس "دستور دولة"، لم يتجاوز من اشترك في الاستفتاء عليه 30 % من الشعب المصري.
أما على المستوى التنفيذي فقد عمل نظام مرسي، وبشكل منظم، على أخونة الدولة وتحويلها من مؤسسة لكل الشعب المصري إلى مؤسسة للجماعة.
نجاح أية تجربة ديمقراطية يتطلب إجماعاً على التشريعات الدستورية والقانونية التي تنظم الحياة السياسية، ويتطلب كذلك صفاء النوايا في التعامل مع ذلك، وهو ما لم يحصل في مصر.
فمحاولات الإخوانيين الالتفاف على المحتوى الديمقراطي وتجيير الحكم لصالح استبدادهم قد أفسد التجربة وأسقطها.
مع إسقاط حكم الإخوان في مصر بدأت حقبة جديدة تطل على المنطقة تتميز بتغير في مناخ الحياة السياسية والاجتماعية وانتعاش للحركة الليبرالية التحررية وسط أجواء تكمن فيها مخاطر وعقبات كثيرة. فالشعب المصري الذي استعاد بلاده التي باتت مريضة تعاني شللاً سياسياً وأزمات اقتصادية وخراباً مجتمعياً، وجد نفسه في مواجهة معضلات كبيرة تنتظره، فحجم الخراب الذي خلفه حكم مرسي في سنة واحدة كبير على جميع الأصعدة.
ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه القيادة الجديدة في مصر هو كيفية التوفيق بين المطالب الجماهيرية التي تتلخص جوهرياً في الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي، وهي ضرورات آنية ملحة كانت السبب في اندلاع الثورة، وبين القدرات المتاحة للاستجابة لذلك على المستويين الفكري والمادي.
فعلى مستوى المحور الأول حيث تكمن القدرات للقيام بالإصلاحات السياسية، فإن التجربة الفاشلة لحكم الإخوان المسلمين تفسح المجال للإصلاح السياسي وتعزز فرص نجاحه.
إذ من المتوقع تراجع العوائق لهذا الإصلاح التي طالما وضعها الإخوانيون بعد أن انحسر النفوذ العقائدي والسياسي والاجتماعي لهذه الجماعة الذي كان عائقاً حقيقياً أمام الإصلاحات، المجتمعية منها بشكل خاص.
أما على مستوى المحور الثاني حيث تكمن الحلول للمشاكل الاقتصادية، فهناك صعوبات حقيقية قد لا تتمكن مصر من اجتيازها لوحدها بيسر. فمن الصعب مواجهة ظاهرة تفشي الفقر وانتشار البطالة بشكل غير مسبوق ومصر تعاني من عجز شديد في الموازنة العامة ومن ارتفاع حجم الديون الخارجية التي زادت بما يقرب من 11 مليار دولار في عهد الرئيس مرسي، لتصل إلى 45.4 مليار دولار.
والحقيقة أن من الصعب النظر إلى هذين المسارين، الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي، على أنهما منفصلان عن بعضهما، فالمسار الثاني لا يمكن أن يكتب له النجاح طالما وضعت العراقيل أمام المسار الأول الذي لن يتحقق دون عودة الحياة إلى طبيعتها ويستتب السلم الأهلي، وهو ما سيسعى الإخوان إلى عرقلته، وقد بدؤا فعلاً بذلك.
من المتوقع أن تدخل مصر في مرحلة عدم استقرر سياسي قد تطول، فالإخوان منذ تأسيس حركتهم قبل ما يقرب من ثمانين عاماً، تغلغلوا وعشعشوا في الأوساط الجماهيرية خاصة الطبقات الفقيرة، حيث ينتشر الجهل ويسهل تجييش أفرادها تحت أجندتهم.
فقد شهدت الأيام القليلة التي تلت إسقاط نظامهم قيامهم بتحديات خطيرة لم تخل من مواجهات دموية مع السلطة الجديدة على الرغم من أن هذه السلطة قد فتحت لهم الباب كما فتحتها للآخرين لممارسة العمل السياسي.
فالأعمال التي مورست من قبلهم والتي اتسمت بأشد أنواع العنف وعكست مدى الاستهانة بحياة الناس تدعو للتخوف والتحسب لاحتمال انحدارهم نحو التحالف مع المنظمات المتشددة التي تمارس أنشطتها في سيناء خاصة أن تأريخ الجماعة الذي لم يخل من العنف والاغتيالات في مفاصل عديدة منه لا يشجع على استبعاد احتمال كهذا.
المقاومة للتغيير أو التحفظ عليه داخل مصر من قبل الإخوان أنفسهم، أو خارجها من قبل بعض الدول قد اقتصرت في تركيزها على جانب واحد وهو الإدعاء بالتجاوز على "الشرعية" التي يتمتع بها الرئيس المخلوع مرسي باعتباره جاء إلى منصبه بصناديق الاقتراع.
وقد فتح ذلك باب النقاش على مصراعيه حول مفهوم "الشرعية" ليتم إلقاء الضوء على جوانب أخرى لهذا المفهوم ليزيده ثراء ولا يقتصره على ما تأتي به العملية الانتخابية.
الاضطلاع بمسؤولية إدارة شؤون بلد ليس بالمَهمة الهينة، فمن يضطلع بها مؤتمن على مصالح هذا البلد حاضراً ومستقبلاً، ومن مهام الجهات الرقابية، رسمية أو شعبية، أن تعالج أي خلل في سياسات أو ممارسات أو مواقف تتخذها الرئاسة قد تلحق الضرر بشكل مباشر أو غير مباشر بمصالح البلد، فور تشخيصها.
فمن لا يتمتع بالكفاءة لإدارة البلد لا يتمتع بالشرعية التي تؤهله للقيادة، ومن يفتقر إلى القدرة على تقديم الإنجازات لا يتمتع بالشرعية في البقاء على رأس السلطة، ومن يبلغ حجم المحتجين على سياساته أضعاف من يتفقون معها لا يتمتع بالشرعية التي تسمح له بالاستمرار في البقاء بقصر الرئاسة.