«التخلي عن تلك الرقابة التي أثبتت فاعلية، هو بالضبط كالتخلي عن مظلتك خلال عاصفة مطرية لأنك لم تبتل» وقت استخدامك لها. جاءت تلك العبارة على لسان روث بيدر جنزبرغ، القاضية في المحكمة العليا الأميركية، احتجاجاً على قرار أغلبية المحكمة بالتخلص من رقابة الحكومة الفيدرالية على الولايات التي تفننت زمن العنصرية في حرمان الأقليات من حق التصويت.
والتشبيه بليغ، إذ إنك تكون مخطئاً لو تصورت أن عدم هطول المطر على رأسك مباشرة، لا علاقة له بالمظلة التي تستخدمها. فالرقابة الفيدرالية كالمظلة التي تحمي الأقليات من محاولات العصف بحق التصويت، فإذا بالمحكمة العليا ترفع تلك الرقابة بحجة أنه لم يعد لها داع!
وأصل الحكاية يرجع لانطلاق حركة الحقوق المدنية في الستينات، ضد العنصرية التي كانت مقننة في ذلك الوقت. فالقوانين آنذاك كانت تضفي الشرعية على الفصل العنصري والتمييز ضد السود وغيرهم من الأقليات، في التعليم والإسكان وفي المؤسسات والأماكن العامة، وعانى أولئك من حرمانهم من حقوقهم المدنية والسياسية، ومنها حق التصويت في الانتخابات العامة.
لذلك، كان من نجاحات حركة الحقوق المدنية، إصدار قانون الحق في التصويت عام 1965، الذي حظر الافتئات على هذا الحق. وقد سعى القانون لمنع الأساليب والحيل المختلفة، التي كانت تستخدم للحرمان من التصويت.
ولهذه الحيل تاريخ طويل، يعود للفترة التي تلت إنهاء العبودية مباشرة. ففي عام 1865، انتهت العبودية عبر تعديل دستوري ألغاها، بعد حرب أهلية شرسة كانت فيها ولايات الجنوب مع بقائها، حتى إنها هددت بالانفصال إذا ما تم إلغاؤها.
لكن لأن إدارة كل ما يتعلق بالانتخابات - المحلية والفيدرالية - يقع من اختصاص حكومات الولايات لا الحكومة الفيدرالية، فإن تعديل الدستور الذي ألغى العبودية وأعطى الأميركيين من أصل إفريقي حقوق المواطنين، لم يثن الولايات المؤيدة للعبودية عن التفنن في اختراع حيل فنية وإجرائية، لحرمان المُحرَرين من العبودية من حق التصويت. وكان من بين تلك الحيل التي استخدمتها الولايات، اشتراط معرفة القراءة والكتابة، أو دفع ضريبة في لجان الاقتراع قبل التصويت.
وهي شروط تعجيزية لا يُحرم بموجبها من التصويت سوى الأميركيين من أصول إفريقية، فتلك الولايات كانت تعلم جيداً أن العبيد كان محظوراً عليهم التعليم، ثم إنهم لا يتقاضون أجراً أصلاً، ما يستحيل معه على المحررين منهم دفع أية ضريبة.
وقد ظلت الولايات المختلفة طوال قرن كامل، منذ إلغاء العبودية وحتى انطلاق حركة الحقوق المدنية، تفرغ النص الدستوري من محتواه، عبر إجراءات الفصل العنصري والحرمان من التصويت. بل إن المحكمة العليا لعبت دوراً في دسترة ذلك الفصل العنصري، عبر أحكام شهيرة متتالية منذ نهاية القرن التاسع عشر.
لذلك كله، اهتم قانون حق التصويت عام 1965 بوضع قيود على حكومات الولايات، لئلا تتفنن من جديد في تفريغ حظر العنصرية من محتواه. ومن هنا، نص القانون على أن الولايات التي لها تاريخ في فرض الممارسات العنصرية وحرمان الأقليات من حق التصويت، لا بد أن تحصل على موافقة الحكومة الفيدرالية عند إجراء أي تغيير في قوانين الانتخابات وإجراءاتها.
وقد أسهم ذلك النص بالفعل في منع الكثير من التلاعب بحقوق الأقليات، وإن لم يلغه كلية. فهو لا يزال موجوداً حتى اليوم في أميركا، بل وأطل بوجهه القبيح عشية انتخابات 2012 الرئاسية والتشريعية.
فاستعداداً لهذه الانتخابات، ناقشت 38 ولاية أميركية، خلال عام 2011، مشروعات قوانين بحجة منع التزوير، بينما مضمونها يحرم ملايين الأميركيين، وأغلبهم من الأقليات، من التصويت. وقد صدرت بالفعل تلك القوانين في 14 ولاية، لكن ما عطل تنفيذها كان رفعها للحكومة الفيدرالية التي لم تبت فيها حتى إجراء الانتخابات.
وتنص تلك القوانين التي تستهدف الأقليات، على حظر التصويت دون تحقيق شخصية صادر من الحكومة ويحمل صورة فوتوغرافية لصاحبه. ورغم أن مثل ذلك الشرط قد يبدو عادياً في بلدان كثيرة حول العالم، إلا أنه ليس كذلك في أميركا.
فالولايات المتحدة من البلدان التي لا تعمل بنظام البطاقة الشخصية الصادرة من الحكومة، وجواز السفر هو الوثيقة الوحيدة من هذا النوع. لكن ملايين الأميركيين الذين لا يسافرون للخارج، لا يستخرجون جوازات السفر أصلاً طوال حياتهم.
ورغم أن رخصة القيادة يعتد بها كبطاقة رسمية، إلا أن الذين لا يملكون السيارات، وأغلبهم من الفقراء أو طلاب الجامعات أو سكان الحضر الذين يستخدمون المواصلات العامة، لا يستخرجون رخصة للقيادة.
ووفق الإحصاءات الرسمية، لا يملك 25% من الأميركيين من أصل إفريقي أية بطاقة هوية «حكومية». بعبارة أخرى، فإن ما جرى عشية انتخابات 2012، كان تكراراً للخبرة نفسها التي سادت زمن العنصرية ولم تختف بعدها، والتي استخدمت أساساً أساليب «فنية» لحرمان قطاعات بعينها من التصويت.
لذلك كله، رأى الكثيرون في أميركا، بل وداخل المحكمة العليا نفسها مثل القاضية جنزبرغ، أن قرار المحكمة بإلغاء رقابة الحكومة الفيدرالية على قوانين الولايات، يرفع الغطاء الذي يحمي الأقليات، ويمنح الولايات حرية أكبر في الافتئات على حق التصويت.
وقد صدق بالفعل تقدير هؤلاء، فما هي إلا أيام قليلة بعد صدور حكم المحكمة، حتى بدأت برلمانات بعض الولايات الجنوبية مثل تكساس ومسيسبي وألاباما، التنفيذ الفعلي لبعض القوانين التي كانت قد صدرت عشية الانتخابات الأخيرة، والتي لم تعد تحتاج لعرضها على الحكومة الفيدرالية.
والسؤال؛ هل يعيد الكونغرس كتابة القانون من جديد بصياغات تسمح بإعادة «المظلة» التي تحمي الأقليات من تلك «العاصفة» المطرية التي تحيق بهم؟ أم أن هيمنة الجمهوريين على الأغلبية في مجلس النواب ستحرم الديمقراطيين المهيمنين على مجلس الشيوخ من القيام بذلك؟