قامت إحدى الشركات بتوظيفي لتصادف أنني أتقن اللغة العربية، وقد أنجزت تدربي فيها، ثم فوجئت بأنها ترسلني إلى إيران (التي كانت في تلك الأيام البعيدة لا تزال تعرف باسم بلاد فارس). وفي حقيقة الأمر فإنني كنت قد درست جانباً من اللغة الفارسية ووجدتها سهلة وجذابة في آن، ولكنني لم أعرفها بما يكفي لاستخدامها في أنشطة الأعمال، وعلى الرغم من ذلك فقد حصلت على الوظيفة، وكنت محظوظاً للحصول على عقد لصالح الشركة التي أعمل فيها، وتوقعت أنني لدى عودتي سأقابل بسجادة حمراء في انتظاري، ولكن ما حدث هو العكس تماماً، فقد تم فصلي من الشركة.
عندما ناقشت الأمر مع رئيسي في العمل، سألني مندهشاً كيف أنني لم أبادر وقتئذ إلى الاعتراض على إرسالي إلى بلد لا أعرف لغته إلا بالكاد، بينما لم يكترث أحد لإتقاني اللغة العربية، ولم يتم إرسالي إلى بلد عربي كمندوب للشركة؟
لتعويض الضرر الذي لحق بي لعدم إرسالي إلى دولة عربية، عندما التحقت بالشركة على أساس اتقاني اللغة العربية، تم ترتيب رحلة لي في عدد من أقطار العالم العربي، ولم أرفض هذا العرض، حيث إن زيارة العالم العربي بدت لي وقتها نوعاً من التعويض عن المعاملة غير المنصفة التي عوملت بها.
كان أول مكان في العالم العربي أرسلت إليه هو بيروت، ولم أكن قد زرتها من قبل، ولكنني تصادف أنني أعرف بعض الناس الذين كانوا يقيمون بها في ذلك الوقت، وكان مقصدي الثاني دمشق التي تم إرسالي بعدها إلى بغداد.
تصادف أنه كان لي في بغداد صديق عزيز للغاية هو الكاتب جبرا إبراهيم جبرا، وهو مبدع فلسطيني من أبناء بيت لحم، حظي بفرصة نيل التعليم في جامعة كامبريدج التي حصل منها على درجة في اللغة الإنجليزية، وبعدئذ نجح في الحصول على تعليم تلك اللغة في جامعة بغداد التي عين فيها أستاذاً للغة الإنجليزية. وفي الوقت نفسه كان يحصل على مزيد من الدخل، بالعمل في الشركات التي تحتاج إلى شخص يتقن الإنجليزية مثله.
قدمني جبرا إلى أصدقائه الكثيرين في الجامعة، ومن بينهم بلند الحيدري الذي حظي بالتقدير باعتباره شاعراً رائداً في العراق، وأحد أفضل الشعراء في العالم العربي في ذلك الوقت.
ويبدو أن بلند قد اهتم باللقاء مع إنجيلزي يتقن العربية ويتحدثها بيسر وسهولة، وأمضى ثلاثتنا ساعات طوال في مناقشة أعمال شعراء مثل إليوت وديلان توماس، وشعراء عرب كانوا يكتبون بالإنجليزية وقتئذ.
ولد بلند قبلي بسنوات قلائل وعلى وجه التحديد في عام 1926، وفي وقت لقائنا في بغداد أصدر العديد من دواوين الشعر، وكان أشهر ديوان له وقتها هو ديوان "أناشيد الحارس المتعب"، الذي ترجم إلى الإنجليزية وصدر في لندن عام 1977. وقد ترجمه المستعرب الإنجليزي ديزموند ستيوارت، الذي تصادف أنه كان من أصدقائي المقربين، وكان معروفاً باهتمامه بحركة الأدب العربي الحديث.
بعد إحدى الرحلات إلى الشرق الأوسط، وكنت وقتئذ أكسب قوتي من إدارة مكتب لترجمة اللغة العربية في لندن، وأصاحب رجال الأعمال الإنجليز الذين يحتاجون إلى شخص يتقن اللغة العربية للقيام بمهام الترجمة لهم، بادرت إلى الاتصال هاتفياً بمنزل بلند الحيدري في لندن وطلبت الحديث معه، ولكنني قيل لي إنه قد تُوفيّ.. فأدركت أنني قد فقدت صديقاً عزيزاً يستحيل تعويضه.