اليوم تقف مصر في مفترق طرق خطير، دعوة "تمرد" التي بدأها شباب الثورة تحولت إلى تيار شعبي جارف يقول إن عاماً من حكم "الإخوان" يكفي، ويطلب اللجوء لانتخابات رئاسية مبكرة كوسيلة لاستعادة الثورة المختطفة وإنقاذ مصر من كارثة شاملة.

قبل أيام وقف الرئيس المصري محمد مرسي يقدم كشف حساب عن "إنجازات" عام من الحكم. في الحقيقة لم يجد شيئاً ملموساً يقدمه. كانت القاهرة وباقي المحافظات قد توقفت فيها الحركة بسبب أزمة الوقود الطاحنة. وكان الظلام يضرب أنحاء مصر بسبب العجز في إنتاج الكهرباء. ومع تضاعف نسبة الفقر، ومع زيادة مجنونة في الأسعار وهبوط مأساوي في سعر الجنيه المصري.

 ومع تزايد الديون الأجنبية بواقع مليار دولار شهرياً منذ تسلم مرسي مقاليد الرئاسة، ومع تفكك أجهزة الدولة وخطر انهيار مؤسساتها في ظل سياسة "أخونة" تريد الاستحواذ والتمكين ويرفضها الشعب لدرجة أن عدداً كبيراً من المحافظين الذين عينهم مرسي مؤخراً لم يستطيعوا دخول مكاتبهم حتى الآن وبعضهم دخل باستخدام القوة وبعضهم قيل إنه تنكر في زي المنقبات ليدخل مكتبه!

لكن الأخطر كان انقسام المجتمع بفعل رغبة "الإخوان" في الاستحواذ على السلطة التي أغضبت حتى حلفاءها من المنتمين لتيار الإسلام السياسي الذين ساندوها سابقاً فكان جزاؤهم الإقصاء والتآمر لتفتيت أحزابهم كما حدث مع حزب "النور" السلفي، في الانقسام الحالي لم يعد مع "الإخوان" إلا بعض الجماعات الجهادية المتشددة التي سبق أن ارتكبت جرائم إرهابية منذ السبعينيات.

وفي حضور الدكتور مرسي سمع الناس الدعوات بتطهير مصر من "الأنجاس" و"الرافضة" وبقتال الكفار من المعارضين، وتهدد بأن "قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار" و"أني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها"!!

وكان طبيعياً أن يقود هذا التحريض العلني إلى العنف الذي سبق 30 يونيو في عدد من المحافظات سقط فيها ضحايا من القتلى والجرحى، وإلى مذبحة قرية "أبو النمرس" التي شهدت فيها مصر لأول مرة القتل على أسس مذهبية في بلد قاد فيه الأزهر الشريف منذ عشرات السنين دعوات الوسطية والاعتدال، وجهود التقريب بين المذاهب التي بدأها في الخمسينيات من القرن الماضي واحد من أعظم مشايخ الأزهر وهو الإمام الراحل محمود شلتوت شيخ الأزهر في هذا الوقت.

لم يجد الحكم وسيلة لمواجهة 30 يونيو إلا محاولة تصوير الصراع على أنه صراع حول الإسلام، ثم محاولة ترويع المواطنين بتصدير جنرالات الجماعات الإرهابية السابقين واللاحقين في واجهة المشهد ليهددوا الملايين التي أعلنت الخروج في 30 يونيو.

في هذه اللحظة ومع اقتراب الخطر جاءت تصريحات وزير الدفاع قائد الجيش الفريق عبد الفتاح السيسي التي أكد فيها أن الجيش المصري لن يظل صامتاً أمام إرادة انزلاق البلاد للصراع تصعب السيطرة عليه، وأنه لا يمكن أن يسمح بالتعدي على إرادة الشعب أو أن يتم المساس بشعب مصر في وجود جيشه.

حديث وزير الدفاع جعل الكثيرين يعيدون النظر في مواقفه، خاصة في ضوء ما عرف بأنه لم يصدر بالتنسيق مع الرئاسة التي ذهب إليها بعد التصريحات والتي حاولت ـ بعد ذلك ـ التأكيد على أنه لا صراع بينها وبين قيادة الجيش وأن الرئيس مرسي مازال يحتفظ بموقعه كقائد أعلى للقوات المسلحة، ومع ذلك كله، وفي ضوء التفسيرات المتعددة لتصريحات وزير الدفاع إلا أنها بدون شك تعكس موقفاً جديداً ستكون له آثاره الهامة في تطور الأحداث مع الأخذ في الاعتبار عدة عوامل منها:

إن الجيش لا يريد أن يحكم، وتجربة المجلس العسكري السابق بعد ثورة يونيو مازالت ماثلة أمام عيون القادة الجدد الذين يعتبرون أن إنجازهم الأكبر خلال الشهور الماضية هو استعادة ثقة الشعب التي كانت قد اهتزت كثيراً في ظل حكم المجلس العسكري الذي ارتكب العديد من الأخطاء التي ساهمت في وصول "الإخوان" إلى الحكم.

إن قيادة الجيش ولو أنها حصلت من "الإخوان" في الدستور الجديد على كل ما كانت تطلبه من استقلال ومن تأمين لسيطرتها على المؤسسات الاقتصادية التابعة لها، إلا أنها تعرف أن اختراق الجيش هدف أساسي للإخوان، وتعرف أن سياسات الحكم الحالي تعرض الأمن القومي للخطر، وكان لافتاً أن يعلن الجيش معارضته الكاملة لأي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية لمصر.

وأن يأتي ذلك في أعقاب تصريحات السفيرة الأميركية في القاهرة "آن باترسون" الداعمة للرئيس مرسي، وهو أمر يعكس انقساماً في دوائر القرار بالولايات المتحدة بشأن مصر من ناحية، كما يعكس من ناحية أخرى تمسك الجيش بما أسماه الفريق السيسي "الوطنية المصرية" التي تحكم كل العلاقات مع الخارج وكل السياسات في الداخل.

إن موقف الجيش لا يرتبط بموقف قياداته، بل برأي عام داخل الجيش غاضب مما يحدث، ورافض للإساءات التي وجهتها إليه قيادات "الإخوان" ورافض للقيود على حركته لمواجهة الأوضاع في سيناء والثأر لشهدائه هناك، ويشعر بأن وقوفه إلى جانب الشعب في يناير 2011 كان موقفاً صحيحاً، لكن قيادة المجلس العسكري للأمور أفسدت ذلك وسلمت الحكم للإخوان بدلًا من الثوار الحقيقيين، وقد آن الأوان لتصحيح هذه الأخطاء!!

في ظل ظروف بالغة التعقيد تدخل مصر اليوم مرحلة حاسمة من تاريخها، الملايين التي تخرج اليوم تتمسك بالسلمية وترفض العنف وتركز مطلبها في انتخابات رئاسية مبكرة، توقف مسلسل الفشل الذي تعيشه مصر في ظل حكم "الإخوان" ويعيد الثورة لأصحابها ويفتح الباب أمام إنقاذ حقيقي لمصر من كارثة تحدق بها.

موقف الجيش يعني ترك الأمر للإرادة الشعبية لتقرر وحدها مسار المستقبل، إنذار الجيش حاسم لجماعات الإرهاب بأنه سيحمي التظاهر ويمنع العنف، هل تستجيب هذه الجماعات للعقل أم تندفع في طريق جربته قبل ذلك، وكان ثمنه باهظاً عليها وعلى الوطن؟!.

ستحسم مصر المعركة وتستعير ثورتها، وتستعيد وجهها المنحاز للعروبة والتقدم وصحيح الإسلام، فلنأمل جميعاً بأن يتم ذلك في سلام وأن يتم وأد كل دعوات العنف والاقتتال بين أبناء الوطن.