واضح أننا نحتاج ألف ربيع وربيع، كي نتحول إلى الصورة الوردية التي بنينا عليها آمالنا وأحلامنا، عندما بدأ ما أطلقنا عليه "الربيع العربي" ونحن نبدأ العقد الثاني من الألفية الثالثة..

فكل ما شاهدناه وعشناه خلال الفترة الماضية، منذ انطلاق شرارة "الربيع" المشكوك فيه، وحتى هذه اللحظة التي تغرق فيها ساحات "الربيع" في دم القتلى من أعوان المتربعين على السلطة والثائرين عليهم، ممن لم نعد قادرين على إحصاء عدد جيوشهم وانتماءاتهم وغاياتهم وراياتهم، بينما تموج ساحات أخرى بجموع المتظاهرين ضد الحكام الجدد الذين تربعوا على عرش السلطة، فلم يحدث تربعهم فارقا، إن لم يكن قد زاد الأمور سوءا، بعد أن انشغل الحكام الجدد بتثبيت أركان حكمهم، وتمكين جماعتهم والموالين لهم، تماما مثلما كان الحكام السابقون يفعلون، مع اختلاف الوجوه أو الأقنعة.

"من أنتم؟" الشهيرة التي أطلقها العقيد معمر القذافي في ليبيا، عندما صحا ذات يوم على هتافات "ارحل"، تزمجر بها حناجر الشعب الليبي، هي نفسها التي رددها الرئيس علي عبد الله صالح في اليمن، ولكن بشكل آخر، عندما ظهر على شاشات التلفزيون يردد: "فاتكم القطار.. فاتكم القطار". وهي نفسها التي ما زال يرددها الرئيس بشار الأسد منذ أكثر من عامين، بصيغ مختلفة لكنها مغموسة في نهر من الدماء يزداد اتساعا وجريانا كل يوم، رغم ضبابية المشهد، واختلاط الحابل بالنابل على الساحة السورية، الأكثر تعقيدا، والأكبر اختلافا، والأشد مأساوية.

وإذا كان هذا مقبولا في وجهة نظر، أو منطقيا على الأقل، في الدول التي ما زال النظام فيها ممسكا بتلابيب السلطة، مثل سوريا، أو تلك التي ما زال النظام السابق فيها يلقي بظلاله على المشهد، مثل اليمن، فإن هذا يبدو غير مقبول ولا منطقي البتة في الدول التي رأينا صناديق الاقتراع فيها تأخذ دورها في اختيار من يجلس على كرسي الحكم، حتى لو تبين لاحقا أن هذا الاختيار لم يكن في محله.

وأن الظروف التي فرضت هذا الاختيار كانت قسرية، إلى الدرجة التي لم يعد فيها أمام الناخبين خيار سوى الإلقاء بأنفسهم في الماء وهم لا يجيدون السباحة، أو البقاء في السفينة وهي تحترق، وهما خياران "أحلاهما مر" كما يقول المثل.

"من أنتم؟" التي أطلقها القذافي غير مصدق ما يرى، والتي سمعناها، بشكل أو آخر، من الذين رحلوا بعده، والذين ما زالوا يقاومون الرحيل غير متعظين بما حدث له، هي نفسها التي نسمعها اليوم من أنصار التيار الإسلامي الذين يطغون على المشهد، بعد أن وصلوا إلى سدة الحكم، ولم يعودوا مستعدين لتلبية أي مطالب للتيارات الأخرى التي أوصلتهم لهذه السدة ومنحتهم الفرصة لاعتلائها، ثم خرجت من المشهد، أو أخرجها هذا التيار عنوة، وأصبح هو المهيمن على السلطة، المتحكم فيها، الرافض لكل رأي غير رأيه، المكفر لكل فكر غير فكره، المحلل والمحرم باسم الدين الذي يتخذ منه عباءة يرتديها كلما عنّ له أن يحشد جماهيره.

يوم الجمعة الماضي كان حاسما وصريحا في استباحة دماء كل من يعارض التيار الديني في مصر، وهو التيار الذي صعد على أكتاف شباب ثورة 25 يناير، وقطف ثمار تلك الثورة، رغم التحاقه بها متأخرا، ورغم موقفه المتذبذب منها قبل نزول الشباب إلى الشارع مطالبا برحيل النظام السابق.

جاء هذا على لسان الداعية الإخواني وجدي غنيم، الذي وصف كل من سيخرج لمعارضة الرئيس محمد مرسي يوم الأحد المقبل 30 يونيو بأنه "كافر"، واستباح دمه، مؤكدا أن هذا اليوم سيكون فيصلا بين "المسلمين" و"الكافرين" على حد قوله، وأن جزاء من يخرج ويحاول إسقاط مرسي هو "القتل".

هذا التوجه نحو "قتل" كل من يعارض الرئيس، لم يعد هو توجه جماعة "الإخوان المسلمين" الحاكمة فقط، وإنما هو توجه التيار الإسلامي بكل أطيافه التي احتشدت يوم الجمعة الماضي في "جمعة لا للعنف"، لكنها لم تستطع أن تعبر عن الشعار الذي رفعته.

وتحولت إلى دعوة لما هو أكثر من العنف، فهدد القيادي في الجماعة الإسلامية الدكتور طارق الزمر، المعارضين الذين ينوون الخروج يوم 30 يونيو، في الذكرى السنوية الأولى لتولي الدكتور مرسي الرئاسة، معلنين رفضهم لاستمراره، ومطالبين بانتخابات مبكرة، هددهم قائلا بصريح العبارة: "لقد توعدونا بـ30/6، ونحن نعدهم بأنهم سيسحقون في هذا اليوم. ستكون الضربة القاضية لكل من يدعي أن معه عشرات، أو آلاف، أو مئات الآلاف يوم 30/6".

هذه الدعوات الصريحة بالقتل والسحق، سبقها دعاء رفعه الدكتور محمد عبد المقصود، نائب رئيس الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، خلال الكلمة التي ألقاها في مؤتمر الأمة المصرية لدعم الثورة السورية، الذي عقد يوم الجمعة قبل الماضية، بحضور الرئيس مرسي، فسأل الله أن يجعل يوم الثلاثين من يونيو يوم عز للإسلام والمسلمين، وكسر لشوكة "الكافرين والمنافقين"، وأن يرد كيدهم في نحورهم، ويجعل تدميرهم في تدبيرهم!

"من أنتم؟" لم تكن إذن كلمة عفوية خرجت من فم العقيد القذافي، في لحظة ما قبل الاحتضار، تناقلها العالم أجمع، وشاهد بعدها بشهور قليلة، كيف كانت نهاية ديكتاتور أمضى في الحكم أكثر من أربعين عاما، حفر خلالها اسمه بامتياز في سجل الديكتاتوريات العريقة في التاريخ، ثم مضى تاركا لنا منهج تفكير وسلوكاً وممارسة، يبدو أنه سيظل قائما، ويبدو أننا سنشاهد الكثير منه، في المستقبل المنظور على الأقل. لذلك نضع أيدينا على قلوبنا، متوجسين مما سيأتي بعد "من أنتم؟" هذه، وليس مما قبلها، فما بعدها يبدو كئيبا ومأساويا، لا نتمنى حدوثه ولا رؤيته.