نعرف جميعاً أن "غلغامش" هي ملحمة شهيرة يستهل بها الأدب العالمي، وعلى الرغم من أنه كانت هناك كتابات أقدم عهداً، تضم قصائد ملحمية قليلة وترانيم دينية وعدداً محدوداً من الأعمال السردية الأسطورية التي ألفها السومريون بشكل أساسي، فإن ملحمة غلغامش تعد فريدة في العديد من الجوانب.

فهي أولاً فريدة في اكتمالها النسبي الذي لا مثيل له بالنسبة للقطع المختلفة من النصوص التي عثر عليها، والتي تشكل عملاً فنياً متكاملاً يعد فريداً بصفة خاصة من حيث وقت ظهوره. ويلفت النظر أيضاً زخم الملحمة وتمكن مبدعها من مادته ونطاقها الهائل، وطبيعة تعقبها كسياق سردي، وثراء لغتها الذي لم يسبق أن رأى النور في عمل أدبي بمثل هذا الشموخ.

وكل هذه العناصر تتضافر لتجعل من هذه الملحمة أشهر عمل أدبي من بلاد الرافدين القديمة، بل ومن أي مكان آخر في العالم في الزمن الذي تنتمي إليه.

كـُتبت ملحمة غلغامش برمتها بالشكل الذي نعرفه، منتمياً إلى نهاية العهد البابلي القديم، وهو ما يعني النصف الأول من الألفية الثانية قبل الميلاد. وهذا التاريخ يجعل الملحمة عملاً أدبياً يسبق بألف عام تلك الملاحم المعروفة مثل الإلياذة والأوديسا، وهي الأعمال الأدبية الكلاسيكية التي ينظر إليها بصورة شاملة، على أنها الأعمال التي فتحت الأبواب أمام ما يعترف به اليوم على أنه بداية الأدب الأوروبي.

تعد غلغامش أقدم حتى من الصياغات المكتوبة للملاحم السنسكريتية العظمى، والتراتيل التي تعتبر من أقدم النصوص التي عرفتها الهند. وأقدم نص مكتوب لملحمة غلغامش يمكننا أن نقرأه اليوم، هو الذي ربما كان قد كتب حوالي نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد. واستنسخ لمكتبة نينوى الشهيرة التي أنشأها الملك الآشوري آشوربانيبال حوالي عام 600 قبل الميلاد.

كانت بلاد ما بين النهرين القديمة فريدة بين الحضارات الأقدم، في كم المواد المكتوبة التي خلفتها وراءها. ومن حسن الطالع أن كتابات هذا التراث الفريد، قد تم إنجازها بطريقة وعلى مادة ضمنت الصمود في مواجهة الزمن، وبالتالي توافرت للأجيال اللاحقة.

وقد تم اكتشاف كميات هائلة من المواد على امتداد السنين، ومعظمها يعالج أموراً اقتصادية وإدارية، ولكن هناك القليل مما يحدثنا بأي شيء يتعلق بالحياة الروحية لأبناء ذلك الزمان، والمرء لا يملك إلا أن يتساءل عما إذا كانوا حقاً مهتمين بمثل تلك الأمور! ومن بين الاكتشافات التي تم إنجازها، الكثير من المواد التي يمكن أن توصف بأنها أدبية.

لقد كتبت الملحمة نفسها باللغة الأكادية، وهذه اللغة تم تبنيها من الخط المسماري السومري الذي تطور عنه اختراع الكتابة، والمزيد من الأدب السومري يتم اكتشافه مع ممارسة المزيد من عمليات التنقيب.

تنطلق الملحمة من تقديم بطلها والتأكيد على إنجازه العظيم، وهو بناء أسوار مدينة أوروك. وهذه الأسوار هي التي ستصمد في وجه الزمن، باعتبارها الإنجاز العظيم لغلغامش. وبينما لا بد للإنسان أن يموت، فإن ما يفعله يبقى بعده. وهذا النوع من الخلود هو ما يمكن للإنسان السعي إليه، وهو في حقيقة الأمر النوع الوحيد من الخلود الذي يستطيعه البشر.

ومن الغريب حقاً أن نجد أنه ما من شخص يتم تقديمه في ملحمة غلغامش، باعتباره أكثر أهمية من أسوار أوروك، إذ لم يكن هناك حديث عن إمكانيات وجود شكل من أشكال الحياة بعد الموت، وإمكانية الثواب والعقاب عما يفعله المرء في حياته الدنيا. وهذا ما أكدت عليه الديانات الكبرى ابتداءً من عهد إبراهيم عليه السلام، إلى المسيح عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم.