ترافقت تصريحات القيادي الإخواني عصام العريان التي تطاول فيها على الإمارات وشعبها الشقيق، مع هذه "الزفة" المفتعلة التي أقيمت تحت زعم نصرة سوريا وحضرها الرئيس مرسي والتي تحولت إلى حفل تكفير لشعب مصر الذي قرر الخروج في 30 يونيو في تظاهرة سلمية من أجل انتخابات رئاسية مبكرة تنهي هذا الحكم الفاشل في كل شيء!
يكشف ذلك عن أمور كثيرة.. فهناك محاولة للهروب إلى الخارج من مشاكل داخلية طاحنة، ومن خطر السقوط الذي يطارد النظام، وهناك انكشاف لحقيقة أن "الجماعة" أصبحت بلا نصير تقريباً في مواجهة الشعب بأكمله، لم يعد بجانبها إلا فقهاء التكفير وجنرالات الإرهاب التي مازالت دماء المصريين على أيديهم بعد سنوات طويلة مارسوا فيها كل صنوف الإرهاب!
ردود الفعل داخل مصر تقول لهم: إن الهروب للخارج لن يفيدهم، ولن يخرجهم من عزلتهم التي وضعتهم في مواجهة الشعب المصري بكل فصائله، حديث العريان لا علاقة له بهذا الشعب الذي تربطه بالإمارات أوثق علاقات الأخوة، والذي مازال يذكر بكل خير الشيخ زايد، رحمه الله، ومواقفه العروبية الرائعة، والذي يعرف أن ما بينه وبين الشعوب العربية أكبر من مناورات الصغار بكثير.
وفي محاولة لتفادي السقوط يحاولون الهرب إلى الخارج، فيقودهم الحظ العاثر إلى الإمارات بكل ما لها من إعزاز في قلوب المصريين الذين لا يتصورون أن يمتد تآمر الجماعة إلى هذا القطر الشقيق الذي تربطه بمصر علاقات الأخوة الصادقة، والذي كان أمنه ومازال جزءاً من أمن مصر لا تتخلى عنه بأي حال!
يستنجد النظام بالأميركان، وتطلق السفيرة الأميركية في القاهرة آن باترسون تصريحات غير مسبوقة تستميت بها في الدفاع عن الإخوان، لكنها لا تنجح إلا في الكشف عن خوف الأميركان من سقوط سريع لنظام راهنوا عليه في تنفيذ مخططاتهم لتقسيم العالم العربي وإغراقه في الحروب الدينية، وفي إبقاء مصر بعيدة عن التأثير، وفي محاولة جر جيشها الوطني لحروب استنزاف تفتح الباب للتخلص من القوة العسكرية العربية الأكبر.
وفي الطريق إلى 30 يونيو، يحاول "الإخوان" وحلفاؤهم الهروب إلى العنف، واستباق الأحداث بحملة ترهب الناس وتمنعهم من النزول.. لكنهم لا يدركون أن أجيالاً جديدة نزعت الخوف من قلوبها، وأنها لن تتراجع قبل استعادة الثورة من خاطفيها!
وفي الطريق إلى 30 يونيو تتم محاولة استخدام الدين بلا ضمير. فقهاء الإرهاب يصدرون الفتاوى بتكفير المصريين إذا خرجوا في 30 يونيو، ودعاة الفتنة يحاولون تضليل الناس وتحميل الأقباط مسؤولية ما حدث أو منعهم من النزول إلى الميادين، لكن المحاولة تفشل، شيخ الأزهر المناضل الدكتور الطيب يخرج من اجتماع ضمه هو والبابا تواضروس مع الرئيس المصري ليصدر بياناً يقول فيه إن حق التظاهر السلمي مكفول لكل المواطنين، ثم يشير إلى فتاوى التكفير (التي أصدرها فقهاء الفتنة في حضور الرئيس المصري) فيقول إن من يصدر هذه الفتاوى هم منحرفون عن صحيح الإسلام.
وفي نفس الوقت تفشل محاولات إخافة الأقباط، ويصدر عن البابا تواضروس ما يؤكد أن كل قبطي (مثل كل مسلم) في اتخاذ الموقف الذي يراه في هذا الصراع الذي ينبغي أن يظل صراعاً سياسياً لا علاقة له بالدين، وهو ما أكدته أحزاب وقوى إسلامية عريقة رفضت الانجرار في مخطط الفتنة، وفي مقدمتها حزب "النور" السلفي الذي أكد هو الآخر أن الصراع ليس بين الكفر والإيمان كما يزعم البعض، بل هو صراع سياسي على مستقبل البلاد.
في هذا المناخ التي تنسد فيه كل الطرق للنجاة من السقوط، نجد محاولة "الجماعة" للهروب إلى الخارج، ولسوء حظها كانت الإمارات هي الطرف الآخر، وكان موقف الشعب المصري المدرك لأبعاد المناورة المكشوفة، والحريص على علاقاته بأشقائه في الإمارات وفي كل العالم العربي.
طوال الأيام الماضية كان سؤال الكثيرين لي: كيف تعرض هذه الجماعة مصالح مصر للخطر؟ وكيف لا تضع في حسابها علاقات بين أشقاء وأوضاع لمئات الألوف من المصريين يعيشون في سلام مع أشقائهم في الإمارات، وملايين أخرى في الدول العربية؟ وكانت الحقيقة واضحة وهي أننا أمام جماعة لا تعرف إلا مصالحها الخاصة، لكننا أيضاً أمام شعوب أكبر من هذا التلاعب بمصيرها، ولهذا لن تنجح المؤامرة في إثارة الشقاق بين الشعوب، ولا في هدم جسور المحبة بين مصر وأشقائها العرب.
تذكرت ما حدث في نهاية السبعينيات حين فاجأ الرئيس الأسبق الراحل السادات الجميع بزيارة القدس، يومها كانت مشاعر الغضب عاتية ويومها كان أحد المواقف الرائعة للشيخ زايد، رحمه الله، حين قال إن أشقاءنا المصريين في عيوننا والخلافات مع الحكام لا ينبغي أن تطال علاقات الشعوب.
تجتاز مصر أياماً صعبة، ولكنها حتماً ستعبرها لتتهيأ مصر لحسم معركتها في 30 يونيو، وهي تدرك أن الخلاص من الكابوس الجاثم على صدورها أصبح ضرورة وطنية، وأصبح أيضاً استحقاقاً قوياً تنتظره شعوب العالم العربي التي تعرف جيداً ماذا تعني عودة مصر التي هي في خاطرهم كما في خاطر المصريين جميعاً.