بدأت أخيراً البحث في بعض أوراقي وكتبي القديمة، التي لا أزال أحتفظ بها من تلك الفترة الباكرة التي أمضيتها في القاهرة بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية. وأتذكر أنه في ذلك الوقت كانت تصدر مجلة أسبوعية بالإنجليزية في مصر بعنوان "ذا سفينكس"، وكانت هذه المجلة تعطي انطباعاً بأن القاهرة لا يسكنها إلا ناطقون بالإنجليزية. والحقيقة أنه في ذلك الوقت كانت الجالية الإنجليزية تقضي جل وقتها في لعب كرة التنس في النادي البريطاني، أو استقبال بعضهم بعضاً في شققهم الراقية في المنطقة التي تسكنها الطبقة الغنية في الزمالك، حيث كانوا يقيمون جميعاً في ذلك الوقت.

وبدا أن هذه المجلة لا تقدم إلا أخباراً عن البريطانيين الذين يعملون في القاهرة، ولم تشر من قريب أو بعيد إلى الحقيقة القائلة إنهم كانوا يقيمون في بلد أجنبي، وأن معظم سكان القاهرة كانوا بالطبع من المصريين. ورغم ذلك، فإنه في تلك المرحلة المبكرة كان هناك اختلاط محدود بين المصريين والبريطانيين الذين تصادف أنهم كانوا يقيمون ويعملون في العاصمة المصرية، ورغم أن المجلة كانت تحمل هذا الاسم الدال، إلا أنها لم تعط أي انطباع بأن سكان القاهرة المصريين لهم أي حياة اجتماعية تذكر.

وتصادف أن أحد الصحافيين الإنجليز العاملين في هذه المجلة، كان يعرفني ويدرك أن حياتي الاجتماعية في القاهرة كان المصريون يلعبون دوراً كبيراً فيها، وبصفة خاصة المصريون الذين يشكلون الحياة الثقافية النشطة للغاية في القاهرة، ومن هنا فقد طلب مني أن أكتب صفحة أسبوعية تلقي الضوء على بعض الشخصيات البارزة في الحياة الثقافية المصرية.

وجدت أن الصفحة التي ساهمت بها في هذه المجلة كانت تحمل تاريخ 13 إبريل 1946، وقد كتبت فيها عن قصة قصيرة لمحمود تيمور، وذكرت أنه نشر ما لا يقل عن 15 مجلداً خلال السنوات العشرين الماضية، وأنه قد غادر لتوه بالباخرة إلى الولايات المتحدة ليمضي إجازة مدتها ثلاثة أشهر.

وأشرت إلى تأثير الكاتب الفرنسي غي دي موباسان، وأن تيمور يمكن أن يوضع موضع المقارنة مع الكاتب الروسي إيفان تورغنيف، بسبب الطريقة التي كان يعرف العالم بها بالدور الذي تلعبه مصر في ميدان الأدب العربي. وذكرت أيضاً أن قصصه قد ترجمت إلى مجلدات باللغتين الفرنسية والألمانية، ولكن أياً من أعماله لم يترجم إلى الإنجليزية بعد، ثم مضيت أقول: "إن صحافياً مصرياً شاباً يدعى إبراهيم شكر الله، والذي تصادف أنه تربطني به صداقة وثيقة، كان كاتباً موهوباً للقصة القصيرة، وقد ترجمت العديد من قصصه للإنجليزية ونشر بعضها في دوريات بالإنجليزية".

وابنه هاني الذي ولد عام 1950 هو الآن صحافي شهير أيضاً، شغل منصب مدير تحرير صحيفة الأهرام، وكتب كذلك في صحيفتي الغارديان والحياة اللندنيتين، وكان في وقت من الأوقات أستاذاً زائراً في جامعة كاليفورنيا.

كان إبراهيم شكر الله مؤلفاً مشاركاً لكتاب يحمل عنوان "صور من العالم العربي"، يتألف من العديد من الترجمات من الأدب العربي، بما في ذلك ترجمات للمعلقات ولشعر المتنبي والمعري والكثير من الشعراء العرب التقليديين والمعاصرين مثل شوقي، بل والشعر العامي المعروف باسم الزجل، والعديد من المقتطفات من الأعمال الكلاسيكية، من التاريخ والجغرافيا والتصوف الإسلامي.

ورغم أن إبراهيم شكر الله لا يعد من الكتاب الذين ساهموا في القصة العربية القصيرة، ولم يكن يقدم نفسه باعتباره كذلك، إلا أنني وجدت أنه قد كتب العديد من القصص القصيرة التي تستحق أن تترجم، ومن بينها قصة "الأم" التي نشرت ترجمتها في مجلة "ميدل إيست فورم"، التي كانت تتولى رئاسة تحريرها روزماري صايغ، زوجة أستاذ الاقتصاد الفلسطيني يوسف صايغ وقريبة الشاعر صدّيق توفيق صايغ. وقبيل وفاة إبراهيم شكر الله، نشر ديواناً ذائع الصيت.

اليوم يتألق ابنه هاني شكر الله في عالم الصحافة المصرية، إلى جوار مساهماته التي سبق أن أشرت إليها في صحيفتي غارديان والحياة اللندنيتين، وهكذا يتواصل العطاء عبر الأجيال.