أثار الحفل الغنائي المنتظر أن تقيمه المطربة الشهيرة أليشيا كيز في إسرائيل، الكثير من الصخب في أميركا وإسرائيل. وأليشيا أميركية ولدت في أوائل الثمانينات لأب من أصول إفريقية وأم من أصول إيرلندية، وهي موهبة متألقة تعزف البيانو منذ صغرها وتغني وتمثل، وحصلت على عشرات الجوائز طوال عمرها الفني.
وما إن تم الإعلان عن الحفل الذي ستقيمه أليشيا في إسرائيل، حتى تلقت خطاباً مفتوحاً من الأديبة والشاعرة المعروفة أليس ووكر، تثنيها عن القيام بتلك الخطوة.
والأديبة الكبيرة أليس ووكر، أميركية من أصول إفريقية، شاركت في حركة الحقوق المدنية في الستينات، التي مثلت ذروة كفاح الأميركيين من أصول إفريقية، ضد الفصل العنصري ومن أجل حقوق متساوية في بلادهم. وهي كانت منذ أعوام قد رفضت إعادة نشر رائعتها الأدبية "اللون القرمزي" بالعبرية، بعد أن انضمت للحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل.
كتبت أليس ووكر في خطابها المفتوح للمطربة كيز، التي لم تقابلها من قبل ولا تعرفها شخصيا، تقول: "يحزنني أن أعرف أنك تضعين نفسك في خطر روحي، بالغناء في دولة أبارتيد يقاطعها الكثير من الفنانين العالمين من أصحاب الضمائر الحية".
وذكّرت أليس ووكر أليشيا بحركة الحقوق المدنية قائلة: "كنت لم تولدي بعد حين كنا، نحن الأجيال الأكبر التي تحبك، نقاطع المؤسسات في الجنوب الأميركي، لإنهاء الأبارتيد الأميركي الذي كان أقل وحشية من الأبارتيد الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.
ابحثي عبر غوغل عن مقاطعتنا للباصات في مونتغمري، إن كنت بالفعل لا تعرفين تاريخ حركة الحقوق المدنية. وقد نجحنا في أن نحدث تغييرا جوهريا في بلادنا، والمقاطعة للمؤسسات والمنتجات الإسرائيلية المختلفة، من شأنها أن تفعل الشيء ذاته.
فهذا هو الخيار السلمي الوحيد الذي تعلمناه من كفاحنا نحن في أميركا". وأضافت الأديبة أن هذه "قد تكون فرصة لك لتعرفي شيئا محزنا ومحيرا، فحكومتنا، بل وأوباما نفسه، تؤيد نظاماً فظاً وظالماً. وقد يستغرق الأمر معك شهورا وسنوات مثلي تتأملين هذا الوضع. طبقات فوق طبقات من الكذب والتضليل والخوف والجبن والتواطؤ".
لكن أليشيا لم تستجب لرسالة أليس ووكر، ولا لغيرها من الشخصيات المعروفة التي دعتها للتراجع، وأعلنت أنها ستذهب لإحياء الحفل في إسرائيل في موعده المحدد. وقالت في تصريح لها: "أتطلع لزيارتي لإسرائيل. فالموسيقى لغة عالمية هدفها توحيد جمهورها على المحبة والسلام، وتلك هي روح حفلي (هناك)".
والواضح أن أليس ووكر كانت، على ما يبدو، تتوقع ألا تستجيب أليشيا لرسالتها. لذلك، تعمدت أن تخاطب روح أليشيا التي تقوم بأعمال خيرية لصالح أطفال العالم، وبالذات الفقراء منهم المصابين بالإيدز. ففي نهاية رسالتها، نصحتها ووكر إذا ما ذهبت لإسرائيل بالفعل، أن تزور أطفال غزة وتغني لأجلهم "ولأجل حقهم في ألا يتم إيذاؤهم لمجرد أنهم موجودون" على أرضهم.
والحقيقة أن الموقفين المختلفين للفنانتين مصدره جيلي، فجيل حركة الحقوق المدنية هو الجيل الأكثر فهماً للقضية الفلسطينية وتعاطفاً معها. فبإمكانهم بسهولة وضع يدهم على أوجه الشبه بين ما يحدث في فلسطين، وبين ما عانوه هم من فصل عنصري ومهانة قبل حركة الحقوق المدنية.
فالأديبة أليس ووكر التي ولدت في منتصف الأربعينات لأسرة فقيرة في الجنوب، معقل العنصرية، عاشت طفولتها وصباها قبل حركة الحقوق المدنية، مما جعلها قادرة على المقارنة بين ما عاشته وما يحدث للفلسطينيين.
فهي منذ سنوات قالت: إن "الطريقة التي تطلق بها النار على الفلسطينيين فيُقتلون، والطريقة التي يُقبض بها عليهم ويُضربون، كما لو أنهم ليسوا آدميين، تذكرني بالفترة التي نشأت فيها في الجنوب، حين كانوا يجعلوننا نشعر وكأن حياة السود ليس لها أية قيمة".
والمقارنة تؤدي بجيل ووكر لاكتشاف الفارق بين التجربتين، حيث ترى ووكر أن الفصل العنصري في إسرائيل، أسوأ مما كان عليه في أميركا "فقد عشنا الفصل العنصري في كل شيء، في المواصلات والمطاعم والفنادق، لكن في تجربتنا لم يكن هناك فصل عنصري في الطرق كما هو الحال في الأرض المحتلة".
وتلك الخبرة تختلف تماما عن خبرة الأجيال الجديدة، بمن فيهم جيل أوباما نفسه الذي كان طفلا في سنواته الأولى وقت حركة الحقوق المدنية. فتلك الأجيال الجديدة نشأت في زمن كانت الأوضاع فيه قد تغيرت إلى حد كبير، خصوصا بالنسبة للأسر ميسورة الحال من السود. فهم لم يعيشوا الفترة القبيحة التي كان يتم فيها تعليق السود على الأشجار وجلدهم، وسط ضحكات حلقات من البيض تتجمع لتشهد الموقف.
وهم لم يجربوا بأنفسهم معنى أن يحظر عليك في وطنك أن ترتاد أماكن بعينها، لا لجرم ارتكبته وإنما لأنك من أنت!
وما قالته الفنانة أليشيا بالغ الدلالة، فهي اعتبرت الموسيقى لغة عالمية، هدفها توحيد الناس على المحبة والسلام.
وهو معنى بالغ التبسيط والاختزال لدور الموسيقى، لا يمكن بالمناسبة أن يخطر ببال جيل الحقوق المدنية في أميركا، ولا ببال أبناء الشعوب التي كافحت من أجل الاستقلال والحرية.
فالموسيقى لغة تكتسب عالميتها من حيث ارتباطها الوثيق بالواقع المحلي، وهي لغة سياسية بامتياز، وظلت دوماً إحدى أهم أدوات المقاومة، وتاريخ الأميركيين السود بالغ الثراء في هذا الصدد.
فموسيقى الجاز الرائعة أبدعها سود أميركا وكانت عند نشأتها موسيقى للمقاومة، وموسيقى الراب وثقافة الهيب هوب كلها من إبداع الأميركيين السود، وهي في الأصل أدوات للمقاومة.
والموسيقى كما تنقل المحبة والمساواة، فإنها تعبر عن المعاناة الإنسانية بمعانيها المختلفة، وتشحذ الهمم لمقاومة الظلم والقهر.
ووفق هذا الفارق الواضح بين الجيلين، هل تقوم أليشيا كيز فعلاً بزيارة أطفال غزة؟ سنرى..