على المستوى الشخصي، لم أعرف المذيع العراقي موفق العاني، رغم العلاقة التي ربطتني، على مدى سنوات من العمل في حقل الإعلام، بزملاء أعتز بمعرفتهم وصداقتهم من الإعلاميين العراقيين، ولكن على المستوى المهني، أعرف أن موفق العاني من الجيل الذهبي للمذيعين العرب الذي لن يتكرر، ليس فقط على المستوى الإبداعي الذي أرسى أصوله ذلك الجيل من الإعلاميين، عندما كان الإعلام عشقاً وليس وظيفة أو طريقاً إلى عالم الشهرة.

وإنما على المستوى الأخلاقي أيضاً، عندما كان الإعلام رسالة أكثر منه وسيلة للتكسب والربح المادي، والشهرة السهلة التي أتاحها عصر القنوات الفضائية والإنترنت.

أوائل شهر مايو الماضي، حملت لنا الأنباء خبر مقتل المذيع موفق العاني في انفجار سيارة مفخخة أمام جامع "الإحسان" في مدينة "المنصور" العراقية، حيث كان وشقيقه اللواء مظفر العاني يؤديان صلاة العشاء في المسجد. وقد نعى ملتقى الإذاعيين والتلفزيونيين العراقيين المذيع الراحل، كما نعاه عدد كبير من زملائه الذين صدمهم الخبر، فاستذكروا تاريخه.

وأشادوا بأخلاقه، وطلبوا الدعاء له. من الناحية الأخلاقية، أعتبر مهاجمة دور العبادة وتفجيرها، أياً كانت ديانات أصحابها ومذاهبهم، عملاً غير أخلاقي، ليس فيه من صفات النبل والشجاعة شيء، فالإنسان عندما يتجه إلى ربه، راكعاً أو ساجداً أو مناجياً له، يكون في أعلى مراتب الشفافية، وأدنى مراتب الضعف البشري، بحيث تصبح مهاجمته.

وهو على هذه الحالة، عملاً جباناً، لا يُقدِم عليه إلا من تجرد من دينه وأخلاقه وإنسانيته، مهما كانت الأسباب والمبررات التي يسوقها لنا مهاجمو دور العبادة ومفجروها، من أي ملة كانوا، وإلى أي فصيل انتموا، وأي مسجد أو كنيسة أو معبد استهدفوا.

ومن الناحية المهنية، أعتبر مقتل مذيع في قامة الراحل موفق العاني خسارة جسيمة، في هذا الزمن الذي أصبحت فيه الساحة الإعلامية بحاجة إلى مثل هذه القامات والرموز، بعد أن غدت طاردة للعملة الجيدة، حاضنة للعملة الرديئة في الكثير من الدول التي تعيش في رخاء وبحبوبة.

فما بالكم ببلاد الرافدين التي تئن تحت وطأة تمزق طائفي، مذهبي، عرقي، وتتحول إلى دولة تدار المعارك فيها من خارج أرضها، تواجه خطر التقسيم، وتعيش حرباً أهلية لم تعد أسرارها خافية على أحد، ملقية خلف ظهرها تاريخاً حافلاً من الحضارة والازدهار العلمي والثقافي.

والدور السياسي الذي جعلها تقود جزءاً مهماً وكبيراً من العالم عبر عصور مختلفة، منذ عهد السومريين في الألفية السادسة قبل الميلاد، وحتى عصر الخلافة الإسلامية، عندما كان الخليفة العباسي هارون الرشيد يقف في شرفة قصره في بغداد، ينظر إلى سحابة عابرة أمامه فيخاطبها قائلاً: "أمطري حيث شئت، فإن خراجك سيأتيني".

"ما زلت تلميذاً في الإعلام"، هكذا تحدث موفق العاني قبل أسابيع من مقتله، عندما احتفى به ملتقى الإذاعيين والتلفزيونيين العراقيين، وهي من المرات القليلة التي كُرِّم فيها خلال مسيرته الإعلامية الطويلة، كما قال في الاحتفال، فشعر بتأثر كبير، وبكى أمام الحضور الذين تفاعلوا معه، وأخذوا في التصفيق تحية وتقديراً لبكائه ومشاعره.

موفق العاني الذي يقول "ما زلت تلميذاً في الإعلام"، دخل الإذاعة في الثاني من إبريل عام 1962، واستمر في المجال حتى ساعة الاغتيال. تخرج من بين يديه عشرات المذيعين الذين شقوا طريقهم إلى الصفوف الأولى في الإذاعة والتلفزيون العراقيين، وأصبحوا قامات معروفة في العراق والعالم العربي.

وبعد أكثر من نصف قرن في مجال الإعلام، يقول إنه ما زال تلميذاً، ليقدم درساً لهؤلاء الذين لم يُمضوا في المجال سوى سنوات تُعَدّ بالكاد على أصابع اليد الواحدة، ثم نجدهم يتعاملون معنا على أنهم أساتذة كبار، لا يستطيع أحد أن يقترب منهم، أو حتى إبداء ملاحظة على أدائهم الذي يرونه فوق النقد والتوجيه، ويعتقدون أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان.

"ليس كل من يمتلك شهادة يمكن أن يكون مذيعاً، فهناك من هو خريج الابتدائية، ولكن لديه القابلية لأن يكون مذيعاً، بل أفضل من الذين يمتلكون الشهادات.

"على المذيع أن تكون لديه خبرة وحرفة، متمكناً من مخارج الحروف الصحيحة في القراءة"، درس ثان قدمه لنا مذيع من جيل الرواد قبل أن يرحل، أتمنى أن يعيَه مذيعو اليوم الذين لا ينقص الكثيرين منهم التمكن من مخارج الحروف الصحيحة في القراءة فقط، بل تنقصهم معرفة المبادئ الأولى لقواعد اللغة العربية التي يتعلمها طلبة المرحلة الابتدائية، رغم الشهادات العليا التي يحملها هؤلاء المذيعون، معتقدين أنها مفاتيح الدخول إلى عالم الإذاعة والتلفزيون، في زمن تعددت فيه بوابات الدخول إلى هذا العالم،.

وأُغلِقت فيه البوابة الرئيسية التي دخل منها رواده وأعلامه الأوائل، الذين انقرض أغلبهم وكاد ينقرض الباقون. مقتل مذيع في قامة موفق العاني في حادث تفجير مسجد، رغم أنني لم أعرفه شخصياً، كان خبراً هزني من الداخل كثيراً، وإن كان قد مر عليه كثيرون مرور الكرام، دون أن يلقوا له بالاً أو يكترثوا به.

ولم يسمع به كثيرون على الأرجح، لأن موفق العاني، عليه رحمة الله، كان إعلامياً من زمن كان الإعلام فيه وجبة غنية بالفيتامينات والعناصر المغذية للعقل والروح، ومن عاش ذاك الزمن وكان جزءاً منه، يصعب أن يعرف وزنه وقيمته من يعيش زمن وجبة "الكنتاكي"، التي قامت لها الدنيا ولم تقعد حتى الآن.