أدرك أنني كتبت أعمدة عدة حول قصص من ماضي العرب، لكن اعذروني إذا قمت بنشر مجموعة أخرى من تلك القصص التي وجدتها ضمن دفاتر أوراقي، فأنا لا أملك الجرأة على إلقائها في سلة المهملات، وأعتقد أن بعضها من أفضل القصص التي قرأتها.
حكمة سليمان: توجهت اثنتان من الأمهات في أحد الأيام إلى الصحراء صحبة أطفالهما الصغار، وخلال وجودهما في الصحراء هاجمهما ذئب وتمكن من الإمساك بأحد الأطفال، وأخذه بعيدا حتى ليفترسه بتمهل. وكان الأطفال جميعهم في العمر نفسه ويلبسون ثيابا متماثلة، فكان صعبا معرفة أي منهم اختطفه الذئب. فاختلفت المرأتان وفي النهاية ذهبتا إلى الملك العظيم سليمان، وهو مشهور بحكمته، ليحسم الأمر. وكان الملك سليمان يشعر في نفسه بأن كلاً من المرأتين تعرف ما إذا كان الطفل الذي خطفه الذئب طفلها أم لا، لكنه أراد إبعاد أي خطأ في مثل هذه المسألة الحساسة.
قال الملك سليمان: "اجلبوا لي سكينا، حتى أقسم الطفل نصفين، وأعطي نصفا لكل منهما"، فقبلت إحدى المرأتين، لكن الأخرى اعترضت وقالت إنها تقبل بإعطاء الطفل إلى خصيمتها بدلا من تقطيعه نصفين. فقال الملك سليمان: "هذه أم الطفل"، وأمر بتسليمه إليها.
القصة الثانية؛ الكرم الحقيقي: كانت إحدى المدن تواجه مشكلات جدية، فانتهز بعض السكان الفرصة للسرقة من المتاجر قبل إحراقها، ما أقلق حاكم المدينة الذي خشي حدوث المزيد من المشكلات الخطيرة، فقرر التعامل بقسوة مع المسؤولين عما حدث.
وتم اعتقالهم من قبل الشرطة، وحكم عليهم بثلاثة أنواع من العقاب، على أن يتم تحديد نوع العقوبة بالقرعة، وكان على كل سجين أن يختار عقوبته بين كومة من قصاصات الورق: مكتوب على بعضها "قطع الرأس"، وعلى غيرها "قطع إحدى اليدين"، فيما كتب على الأخرى "خمس ضربات بالعصا".
وعندما جاء وقت الاختيار، وجد أحد الشبان أن عقوبته تقضي بقطع رأسه، فانهالت الدموع من عينيه وهو يقرأ مصيره. فقال له الرجل الذي كان يقف بجانبه ولم يفتح بعد قصاصته: "قدرنا جميعا أن نموت في يوم من الأيام"، فأجابه: "نعم لكن كيف ستعيش أمي المسكينة من دون المعيل الوحيد لها؟". وعلى الأثر، فتح الآخر قصاصته ليجد أن عقوبته لا تتعدى خمس ضربات بالعصا.
وكان يعي أن أمه قد توفيت وأن المرأة التي كانت زوجته تزوجت من رجل ثري، فقال للشاب: "خذ قصاصة الورق التي في يدي وأعطني قصاصتك، فأنا ليس لدي أم أو شخص آخر لأعيله". وهكذا واجه الرجل حتفه كما اختار، ونجا الشاب مقابل تلقيه ضربات بالعصا.
القصة الثالثة؛ الهر الأعمى: فقد كان في القاهرة عالم على درجة كبيرة من العلم يشغل منصبا مهما، وكان يتقاضى معاشا شهريا سخيا يمكنه من إعالة أسرته الكبيرة. وفيما كان سعيدا بوظيفته، كان يتمنى أن يكون لديه المزيد من الوقت ليكرسه لعمله الخاص كعالم. وفي أحد الأيام بينما كان يتناول الغداء مع بعض الأصدقاء فوق سقف المسجد، ظهر هر أمامه.
وكانت للعالم عاطفة خاصة تجاه الهررة، فوضع بعض الطعام من صحنه للهر، الذي التقطه وفر مسرعا، ثم عاد يترقب المزيد من الطعام، فأعطاه العالم المزيد منه، لكن الهر هرول بعيدا حاملا الطعام في فمه بدلا من ابتلاعه. ومع تكرار ذلك مرات عدة، استثار فضول الرجل وأصدقائه لمعرفة ما يفعله الهر بكل هذا الطعام الذي كان يحمله بعيدا دون أن يأكل شيئا منه، فقرروا معرفة الموقع الذي كان يتجه إليه، ولحقوا به ليكتشفوا أن الهر كان يأخذ الطعام إلى مكان معزول فوق سقف المسجد، حيث يوجد هر أعمى ليطعمه.
وقد ذهل العالم وأصدقاؤه مما رأوه، وقال العالم لنفسه: "إذا كانت العناية الإلهية قد أعالت الهر الأعمى بهذه الطريقة، فإنها بالتأكيد ستعيل شخصا مثلي". وهكذا تشجع للتخلي عن وظيفته وراتبها المنتظم، ليكرس وقته لتأليف الكتب، ووجد أنه من خلال بيع نسخ معدودة من كتبه كل شهر، أصبح لديه ما يكفي من المال.