عندما ذهب الرئيس المصري محمد مرسي في أول مايو الماضي للاحتفال بعيد العمال في مصنع للصلب في ضاحية حلوان القريبة من القاهرة ظن البعض أن الرجل يحاول أن يعالج آثار قولته الشهيرة عند توليه منصبه "وما أدراك ما الستينات" التي جسّدت العداء بين جماعة "الإخوان" وثورة يوليو بقيادة جمال عبد الناصر.

كانت الزيارة لإحدى القلاع الصناعية التي أقامها عبد الناصر، ثم الحديث عن استكمال ما بدأه الزعيم الراحل، إشارة واضحة إلى محاولة التقرب من مشاعر العمال المرتبطة بفترة بناء الصناعة الوطنية، ومن هنا رأى البعض تحولاً عن طريق العداء الإخواني لهذه الفترة الحاسمة في تاريخ مصر والعرب.

لكن بعض ما شهدته مصر في الأسبوع الماضي يقول إن العداء مستحكم، وأن التيار الذي يقود "الإخوان" الآن يعتبر ذلك جزءاً من عقيدته الأساسية.في الأسبوع الماضي انعقد المؤتمر القومي العربي في القاهرة لأول مرة.

وفي الجلسة الافتتاحية كان هناك صدام بدأ مع حديث ممثل الشباب هو أحد مؤسسي حركة "تمرد" التي جمعت ملايين التوقيعات للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة. هاجم ممثل الشباب سياسة" الإخوان" وموقفهم من قضية فلسطين، وكانت النتيجة انسحاب ممثل حركة "حماس" ثم عودتهم ليتحدث ممثل الحركة أسامة حمدان رداً على ما قيل. بينما غادر ممثل جماعة الإخوان "عصام العريان" الاجتماع قبل حديث حمدين صباحي. وسيطر جو الخلاف على كل اجتماعات المؤتمر رغم محاولات رأب الصدع وتهدئة الأمور.

بعدها جاءت ذكرى هزيمة الخامس من يونيو فإذا بسباق إخواني يظهر "الشماتة" فيما حدث، ويوجه الإساءات للجيش المصري، ثم يبلغ حداً من التدني يصل لاتهام جمال عبد الناصر بالعمالة، ويعيد أردأ الأكاذيب الإسرائيلية، بل ويشكك في ذمة عبد الناصر المالية.

وبالطبع كان الرد موجعاً، وكان في معظمه من شباب لم يعايشوا هذه الفترة، ولكنهم يعرفون قدر عبد الناصر ودوره التاريخي في قيادة هذه المرحلة الهامة في تاريخ مصر والعرب.

كان غريبً أن يلجأ "الإخوان" إلى هذا السلوك في وقت تحتاج فيه مصر إلى توحيد الصف لمواجهة التحديات التي تفاقمت كثيراً مع اندلاع حرب المياه بإعلان إثيوبيا عن بناء سد النهضة. لكن يبدو أن هذا الموقف بالذات قد أشعل الصراع بين جماعة "الإخوان" وبين قوى ثورة يوليو، لتكون هذه الحملة على عبد الناصر.

لقد كان الظن بعد ثورة يناير أن أجيالاً من شباب الثورة سوف تتغلب على صراعات الماضي، وأن التحديات الكبيرة سوف تدفع نحو توحيد الصفوف، لكن ما حدث كان عكس ذلك. سقطت الجماعة في قبضة اتجاه متشدد يسعى للهيمنة ويريد الانتقام.

ومع الوصول للحكم تبنت الجماعة سياسات داخلية وخارجية تصادمت مع روح الثورة وعرضت مصالح الدولة للخطر من أجل مصلحة الجماعة. تحولت الجماعة من طريق "خيبر خيبر يا يهود" إلى تبادل رسائل المحبة بين الرئيس مرسي والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز!!

وسار الحكم في طريق السعي لنيل الرضا الأميركي بأي ثمن، وتبنى الحكم سياسات اقتصادية واجتماعية ضاعفت من نسبة البطالة وأعداد الفقراء، ومع ضياع الآمال بعدالة اجتماعية تحتاجها مصر بشدة. كان طبيعياً أن يستعيد الناس نموذج دولة عبد الناصر المنحازة للفقراء، والمتمسكة باستقلال القرار المصري، المؤمنة بالقومية العربية وبوحدة المصير العربي، الساعية لذلك بالعمل والنضال والقتال إن لزم ومهما كانت التضحيات.

مع اندلاع الأزمة مع إثيوبيا حول مياه النيل تعقدت الأمور أكثر. كان الرئيس المصري قد ذهب لحضور القمة الإفريقية في أديس أبابا احتفالاً بمرور خمسين عاماً على إنشاء المنظمة الإفريقية. استقبلته في المطار وزيرة مغمورة، وقطعوا عنه الميكرفون وهو يتحدث. ثم أعلنوا عن تحويل مجرى النيل بعد ساعات من عودته!!

ومع المستوى الردئ في التعامل مع الأزمة كان استحضار صورة عبد الناصر وعهده الذي كانت فيه القاهرة هي محرك الأحداث في إفريقيا، وهي الداعمة لحركة تحرر دولها، وهي المناصر لها وهي تبني نفسها بعد الاستقلال من الصفر.

بعد رحيل عبد الناصر تراجع الدور المصري في إفريقيا. وبعد أن كانت القارة السمراء منطقة محرمة على النفوذ الإسرائيلي تركناه يسرح ويمرح. وبعد أن كنا قد حققنا المصالحة بين "العروبة" و"النزعة الإفريقية" تركنا الأعداء يزرعون الألغام في طريقنا. وبعد أن كان الأزهر الشريف يستقبل آلاف الطلبة الأفارقة ويرسل المبعوثين ليقدموا صورة الإسلام المتسامح والمتصالح مع العالم، تركنا التطرف يزحف ويدمر باسم الدين الحنيف.

ورغم كل شيء مازال الأفارقة يتذكرون مصر التي وقفت معهم وحاربت من أجل قضاياهم. وعندما خرج مانديلا من السجن كانت القاهرة مقصده الخارجي الأول ليزور قبر عبد الناصر ويلتقي بالرجل الذي كان يتولى الملف الإفريقي في هذا الوقت الوزير السابق محمد فايق أطال الله في عمره. ومع انفجار أزمة السد الإثيوبي أدرك الناس الفارق بين أن يكون لديك رؤية شاملة تبني عليها سياساتك الداخلية وعلاقاتك الخارجية، وبين أن تتخبط بلا أي رؤية- وأنت تواجه التحديات من كل جانب!!

يعرف المصريون الآن أن الدعم الأميركي لحكم الإخوان لم يكن صدفة، بل كان طريقاً لإجهاض الثورة، ولكي تكون مصر في أضعف حالاتها بينما ترسم الخريطة الجديدة للمنطقة، ويتم زرع الإرهاب في شبه جزيرة سيناء، ويتم التحكم في قطرة المياه التي تصل عبر نهر النيل!!

ويعرف المصريون الآن أن ما حدث بعد ثورة يناير كان مخططاً لقطع الطريق على عودة مصر التي انتظرها العالم العربي، ولتنكفئ مصر على مشاكلها الداخلية، ولتتبدد كل الأحلام في تجديد المشروع القومي الذي يقوم على الحرية وكرامة الإنسان والعدل الاجتماعي والاستقلال الوطني، والذي يجمع الجهد العربي لبناء النهضة الحقيقية بدلاً من تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ وتدمير القوة العربية كما يجري الآن.

ووسط هذا كله يحاول "الإخوان" الهروب من أزماتهم بالهجوم على عب الناصر. يدرك الجميع في مصر أن الأزمة أكبر من ألاعيب الصغار وأن حسم الموقف لا يمكن أن يتأخر أكثر من ذلك !!