يبدو أن بعض الدول العربية والإسلامية أصبحت تحت المجهر الإعلامي العالمي، وتقوم وسائل الإعلام بتضخيم أي حدث بسيط. قد يحدث في معظم الدول من دون لفت واهتمام الإعلام نحوه أو حتى الإشارة إليه ولو من بعيد في وكالات الأنباء العالمية، بل قد يتم التجاهل بشكل متعمد كما هو الحال لما يجري في فلسطين المحتلة، سواءً كانت تلك الانتهاكات لحقوق الإنسان أو في الأرض التي يقتات منها الفلسطينيون بالزراعة، والإنسان الفلسطيني صامد في أرضه أعزل في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية الجبارة.
مسلسل طويل واضح المعالم، كانت البداية الأولى بتفتيت العراق، وزرع الطائفية القاتلة بين الشعب العراقي الذي عاش دهوراً في سلام ووئام تامين، بل إن العائلات من طوائف ومذاهب مختلفة تداخلت في ما بينها عن طريق الزواج، إلا أن سياسة فرق تسد عادت من جديد بعدما اعتقد الكثيرون أنها حفظت في متحف التاريخ، وهي سياسة بريطانية استعمارية معروفة منذ القرن الثامن عشر ومازالت مستمرة حتى الآن.
جاء الانقلاب ذو الصبغة الشيعية في العراق، وبمساندة من قوى خارجية مالياً وبشرياً ليدق مسمار النعش على الوحدة الوطنية، ما أدى إلى تشريد العديد من العراقيين المسيحيين من العراق إلى بقاع العالم بحثاً عن الأمن والأمان وممارسة شعائرهم الدينية بحرية، دون ضغط أو خوف من ذوي العمائم.
ومما زاد الطين بلة القتل حسب الهوية والديانة والمذهب، وتناسى أولئك حلم الفرس في إحياء الإمبراطورية القديمة، وكأنهم بذلك يأخذون بثأرهم من العرب منذ ما يزيد على عدة قرون من الزمان.. حين ساد المسلمون العالم، إلا أن روح التسامح مع الديانات الأخرى منذ أيام عمر بن الخطاب كانت السائدة.
إن ذلك البلد الآمن والمستقر إلى حد كبير، أصبح ملاذاً لكل الإرهابيين حيث يمارسون العمليات التصفوية ضد كل من لا يكون معهم، وكأن لسان حالهم يؤكد أن من ليس معي فهو ضدي.. بل إن ممارساتهم بشعة بحيث لا يمكن وصفها.
أما الأوضاع في مصر، وهي أم الدنيا، فقد قلبها الحكم الجديد بقيادة الإخوان المسلمين إلى دار جحيم، إنهم يحاولون بكل قوة لديهم أن يمحو تاريخ مصر الحديث، بل أكثر من ذلك يحاكمون الأموات في قبورهم، ما يدل على أن الحقد الأسود نما في صدورهم على مر السنين، ويعتقدون أن الفرصة مواتية للنيل من الآخرين فمن لا يتفقون معهم في رؤيتهم السياسية، والتي اتخذت من الدين قناعاً ودرعاً يحتمون بها ضد من يخالفهم الرأي أو العقيدة.
الإخوان في مصر يحاولون النيل من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، متناسين أنه من فتح باب التعليم لكل المصريين وساعد الدول العربية في مجال التعليم وفي عهده تم بناء السد العالي، وأعاد الاعتبار إلى الإنسان العربي، وبالتالي فإن حسناته أكثر من سلبياته، إلا أن انتقاله للحياة الأخرى، حال دون تنفيذ العديد من الخطط لتطوير مصر وربما الدول العربية الأخرى.
ولا نعتقد أن تيار الإسلام السياسي سوف يستمر في السلطة في مصر العروبة والإنسانية، ذلك أن شخصية الإنسان المصري البسيط والمتسامح تحول دون تحوله إلى إنسان حاقد على الآخرين.
أما ليبيا فالحديث عنها قد يطول، وأعتقد أن القارئ يدرك ما هي عليه الحال من دون استرسال في ذلك، إلا أن التدهور الحادث على كافة المستويات، ما أدى إلى تراجع المواطن الليبي إلى الوراء، حيث كان يعيش إلى حد ما في سلام، إلا أولئك الذين لهم خطط تتعارض مع الوضع القائم حينذاك.
والسودان وما أدراك ما السودان فقد تم تقسيمه وتم القضاء على الوحدة الوطنية بين الشعب السوداني وقضي على سلة الخبز العربي، وهام الإنسان السوداني في أرجاء المعمورة يبحث عن الخبز والحياة الكريمة، ومن المعلوم أن الشعوب السودانية ذات ثقافة عالية وخبرات علمية وعملية في العديد من المجالات، وهم من أكثر الشعوب التي تتآلف مع بعضها البعض سوءاً كانت مسلمة أو مسيحية أو يهودية، ولعل الثورة الإصلاحية المهدية تؤكد روح التجديد لديهم من زمن بعيد.
إن ما تعاني منه الشعوب العربية والإسلامية ما هو إلا جرس إنذار لها لتدرك أهمية المحافظة على القيم الإنسانية واحترام كل الديانات في أرجائها.
وأخيراً وليس آخراً فإن تركيا قد دخلت في النفق المظلم ضمن الآخرين، وقد تناسى أولئك الأفراد الإصلاحات التي أدخلها دعاة العدالة والمساواة، فهي التي تجمع بين الثقافة العربية والإسلامية والثقافة الغربية، وهي همزة الوصل بين الشرق والغرب.
ويظل الأمل معقوداً على وعي الشعوب وإدراكها لمصالح أمنها واستقرارها، وهي لن تسمح بالتلاعب بأقدارها ومستقبلها ومستقبل أبنائها.