الإبداع الأدبي مهما أوتي من قدرة على الإنشاء ورصف الكلمات، لا يضيف كثيراً إلى منتج فكري نابع من القلب حين يحاول أن يتكلم عنه ويقف عند إشاراته، وتبقى الكلمات تحوم حوله محاولة الاقتراب من دقة الرسالة التي يريد صاحب هذا البيان إيصالها من وراء بيانه، فكيف إن كان من رسم خطوط هذا الإبداع قائداً بقامة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في ومضات من فكر وهي في الآن ذاته نبضات من قلب.
وكتاب سموه الأخير "ومضات من فكر"، سيظل يجد فيه المتأملون الكثير من الفوائد لأنه ثمرة من ثمرات قائد مبدع قريب من الناس، يحسن رصد آمالهم وهواجسهم ويترجم أحلامهم، وينهض بمواهبهم لتكون في القمة، وليجعل من الجميع أسوة حسنة للآخرين في تقديم أجمل ما عندهم للارتقاء بأحسن ما عند الآخرين..
ثم كيف لا يكون كذلك وهو يستقي معرفته وقدوته من خير خلق الله أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم، وسطر سموه ذلك في ومضاته فقال: "قدوتي في الحياة هو نبيي وحبيبي محمد صلى الله عليه وسلم".
ولكنني سأقف عند جملة من الرسائل النفسية الإنسانية العميقة في موسوعة النبضات الفكرية القلبية، والتي تبدت في عبارات شكلت منارات في علم النفس التربوي معجونة في تجربة قائد شاعر إنسان.
فعلى مستوى النفس والتحكم فيها لتشكيل قاعدة ثابتة نحو الإبداع والتأثير في الآخرين، يقرر سموه أن "الذي يحكم نفسه يستطيع أن يحكم غيره ويحكم العالم من حوله، والذي لا يملك نفسه فهو عن غيره أعجز"، وهي حقيقة بسيطة واضحة، لا يستطيع أحد تجاوزها فضلاً عن الراغب والطامح نحو صناعة نجاح يخلده له التاريخ ويبقى بين الناس، وهي نظرة منطلقة من فلسفة سموه في التعامل مع الحياة، فهي كما يراها "خُلقت بسيطة، ولا بد أن نعيشها كما خُلقت".
ولذلك إذا كان أملك في الحياة أن تخوض غمار الإبداع فلا بد، كما يرى سموه، أن تدرك جوهر الإبداع في الحياة، وهو أن "تضيف شيئاً جديداً للحياة، لا أن تكون إضافة أخرى لها"، وإذا كان قدرنا ألا نعيش مئات السنين فلا أقل من "أن نبدع شيئاً يستمر لمئات السنين".
هذه رسالة البناء الأولى في إعداد الذات للانطلاق نحو التغيير، لأنها كفيلة بمنح الطاقة الإيجابية اللازمة للعمل والعطاء، كما أنها "تعطيك منظوراً جميلاً للحياة وتزودك بالدافع والتحفيز والطموح الذي تحتاجه للنجاح".
وكما أن سموه يشير إلى الخطوة التالية التي تفرض نفسها لتقديم شيء في هذه الحياة، وهي تنظيم الوقت وترتيب الأولويات، إلا أنه لا يفوته التذكير بمتعة الحياة حتى لا يأخذنا العمل عن حياتنا، ولخصها بقوله: "نظّم وقتك واعرف أولوياتك واستمتع بحياتك واترك أثراً يدل عليك"، مع التركيز على جوهر المتعة في الوقت ومنبع العطاء فيه وهو الصحة، فأشار إلى أنه "إذا كان الوقت هو الحياة، فالصحة هي التي تعطي للوقت معناه وللحياة طعمها".
ويظهر حرص سموه على تفاصيل الاستمتاع بالحياة مقرونة بالعطاء والإبداع، من خلال نظرته للوظيفة مثلاً، وهي تحمل في عقول البعض الكثير من معاني الجمود والثقل والتعاسة وكأنها فرض مؤلم من فروض هذه الحياة، فيخاطب المتشائمين بوظائفهم أن "الوظيفة جزء من الحياة، والحياة أثمن من أن نضيعها في التعاسة".
ويظهر البعد الإنساني العميق في رسائل نبضات سموه الفكرية، حين يقول إن "مشاعر السعادة ليست عندما تعلق الصور على الجدران أو تنشر التهاني في الصحف، مشاعر السعادة الحقيقية هي عندما نضع ابتسامة رضى على وجه أم، وعندما نغرس الاطمئنان في نفس طفل يتيم، وعندما يشعر موظف بسيط بالتقدير من كل المجتمع بسبب عمله وخدمته"، كما أن "أسرع وسيلة لتكون سعيداً هي أن تغرس السعادة في نفوس الناس".
وها هنا تتبدى دقة الومضة الفكرية حين ننظر إليها كاملة، في أن الإبداع في هذه الحياة استعداد ونظرة إيجابية وترتيب أولويات وتنظيم للوقت، مع قدر كاف من الاستمتاع بالحياة ودقة في صناعة السعادة لدى الآخرين، لتبقى الذكرى والإنجاز مئات السنين.