من أراد أن يعرف مقام شعب في ميدان البناء والتقدم، عليه أن يعرف فيمَ أقام أبناؤه أنفسهم، وهل هناك حلم كبير يشغلهم ويوحد جهودهم وتتعلق به آمالهم، أم أنهم تفرقت بهم الدروب كل في طريق؟ ومن يتابع حالة المجتمع الإماراتي يدرك، بما لا يدع مجالا للشك، أن قيادته السياسية استطاعت أن توحد جهود أبنائه للبناء، وحين تحقق إنجازا لا تتوقف عنده كثيرا، ولكن تنظر إلى ما هو أبعد منه. والسؤال المطروح دائما هو؛ ماذا بعد؟

لذا فعندما يتحدث العالم عن الحكومات الإلكترونية، والتي عرفتها الأمم المتحدة عام 2002 بأنها «استخدام الإنترنت والشبكة العالمية العريضة لتقديم معلومات وخدمات الحكومة للمواطنين»، بعد أن جاء استخدام هذا المصطلح للمرة الأولى على لسان الرئيس الأميركي الأسبق بل كلينتون عام 1992، وما أن انطلقت الفكرة على المستوى العالمي حتى كانت دبي، وفقا للتقرير الصادر عن الأمم المتحدة في يناير 2008، تحتل الصدارة بين حكومات دول العالم في تطبيق هذا النظام، وهو ما تم تطبيقه على مستوى دولة الإمارات ككل.

وإشارة إلى ذات التقرير، أقول؛ وما زال الكثير من دول العالم تحاول التخلص من الأداء التقليدي وترهل الجهاز الإداري لها، واللحاق بركب الحكومة الإلكترونية، تفاجئ دبي العالم بوجه آخر غير مسبوق ومصطلح لم يستخدم من قبل في الأداء الحكومي، وهو مبادرة «الحكومة الذكية»، وهي مرحلة ما بعد الحكومة الإلكترونية، والتي لا مجال فيها للعاجزين عن مسايرة متطلباتها وما تستلزمه من مهارات نوعية في الأداء، ومواصفات خاصة على مستوى الإنجاز.

لقد تناولت منذ أسابيع قليلة مبادرة التعليم الذكي، وهي المبادرة التي أطلقتها القيادة السياسية في الدولة، وها أنا أجد نفسي اليوم أكتب حول الحكومة الذكية، وفي ذلك أرصد واقعاً وأقرأ ملامحه؛ هذا الواقع يكشف عن قيادة سياسية، اختارت لنفسها وشعبها أن لا تكتفي بالسباحة في المناطق الدافئة مؤثرة السلامة، ومكتفية بما حققته من إنجازات وما تغلبت عليه من صعاب، استطاعت أن ترسي بها سفينة الوطن على شاطئ السلامة، في وقت أخذت فيه قيادات سياسية من حولنا شعوبها في طريق الندامة والخيبة وكدرت حياتهم، حين رفعت في وجوههم السلاح بدلا من حمايتهم به، وحين أبكتهم صغارا وكبارا، و كان واجبها إدخال السعادة عليهم، وحين هجّرتهم من ديارهم وكان أولى بها احتضانهم كما تحتضن الأم الرؤوم أولادها، وحين خربت وأهدرت مقدرات وطن، وكان ينتظر منها تنميته أو الحفاظ عليه على أقل تقدير، وحين مزقت شعبها فرقا وشيعا وكان أولى بها ربطهم برباط المواطنة دون تمييز بين عرق أو مذهب.

أقول إن الإمارات قد اختارت لنفسها طريق البناء لا الهدم، وهو الطريق الأصعب، لأنه محفوف بالبذل والعرق والعطاء؛ لذا فما تقدمه القيادة السياسية من مبادرات تجعل من الصعوبة بمكان ملاحقتها، ولا شك أن مبادرة «الحكومة الذكية»، التي نتوقف اليوم عند قراءة معطياتها، تشير إلى أن القيادة السياسية عندما تقول إن وظيفة الحكومة إسعاد الناس، لم يكن ذلك حديثا مراسميا يردد في المناسبات، ولكنه في حالتنا شديدة الخصوصية يتحول إلى برنامج عمل، له مدى زمني واضح، محددة تكاليفه ومرصودة أهدافه التي يمكن قياسها، ليجازى المحسن بالإحسان ويحاسب المقصر على تقصيره.

واللافت للنظر أن الشعار الذي رفعته حكومة دبي على موقعها الرسمي وهو «نعمل معا لتسهيل حياتك»، هو رسالة واضحة للمشاركة في البناء «معا»، فالضامن الحقيقي لنجاح الخطط التنموية مهما كانت وأيا كانت، هو مساهمة المعنيين بها في قراراتها وفي مختلف مراحلها، وتوفير بيئة مواتية لاستنهاض الهمم وشحذ الطاقات، وهو ما جاءت الجائزة التي رصدها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لأفضل خدمة حكومية عبر المحمول، لتشجيع الجهات الحكومية على تقديم خدماتها وفق حلول إبداعية مبتكرة، قادرة على الوصول بخدماتها لكل الشرائح على مدار الساعة وحيثما كانوا، وهو ما يوفر الوقت والجهد ويعظم القيمة، في زمن باتت فيه الثواني فارقة في التحول من الإخفاق إلى النجاح، ولم تعد هناك رفاهية الانتظار الطويل في اتخاذ القرارات عبر اللجان والمجالس.

وفضلا عن ذلك، فإن دعوة القيادة السياسية لشباب الجامعات للمساهمة في إبداع تطبيقات هاتفية للخدمات الحكومية وتخصيص جائزة قيمتها مليون درهم، لها دلالة واضحة في إيمان القيادة الرشيدة بقدرات الشباب وإبداعاتهم، وكذلك في قدرة المنظومة التعليمية في الدولة على رفد المجتمع بكفاءات شابة قادرة على العطاء، كما أنه دفع لمسيرة البحث العلمي التطبيقي، الذي لا يكتفي فقط بتلبية حاجات الوطن، ولكن يساهم في خدمة أمته العربية وشركائنا في الإنسانية.

لذلك وفقا لما وجه إليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ستكون الجائزة «إماراتية المنشأ، عربية الآفاق، عالمية الصدى».

ومن يتابع الشأن اليومي يجد أن هذه المبادرة قد حركت الماء الراكد في بعض الدوائر الحكومية في البلدان العربية الشقيقة، التي بدأت تتحدث عن التجربة الحكومية الإلكترونية في الإمارات، وانتقالها إلى مرحلة جديدة، وهي الحكومة الذكية.

إن هذه المبادرة لم تكن لتأتي دون الثقة بتمتع الإمارات ببنية تكنولوجية قوية، تستطيع تلبية هذه العملية شديدة التعقيد والحساسية، فضلا عن القدرة على تنظيم وتخزين واستدعاء المعلومة والحفاظ على سريتها، كما أن الإمارات تعكس بها كيف يمكن أن تخدم التكنولوجيا حياة الناس، والحديث عنها بلغة المنافع لا بلغة المميزات، والفرق بينهما كبير.. كما تضرب المثل والنموذج على أن الإبداع ليس فقط في إنتاج التكنولوجيا، ولكن الإبداع أيضا في توظيفها في المكان المناسب وتعظيم أوجه الاستفادة منها.

إنني أعتقد أن مبادرة الحكومة الذكية لا تتوقف عند إضافة قدرات نوعية للدوائر الحكومية للدولة، لكنها درس جديد من الدروس المستفادة التي يجب التوقف عندها طويلا، لأن انعكاساتها متعددة، وتضرب في اتجاهات مختلفة، لتكون المحصلة وطنا يرفل كل يوم في حلة جديدة.