في الأيام الأولى من مسيرة الأمة العربية، كانت الكلمة المكتوبة لا تكاد تعرف بالنسبة لهم، ولكنهم طوروا تقاليد شفوية تستند في المقام الأول إلى الشعر، ذلك الفن العريق الذي يضرب جذوره في أقدم الأزمنة.
كان على العرب أن ينتظروا حتى القرن السابع الميلادي، لكي تنمو في مناطق معينة من غربي شبه الجزيرة العربية ثقافة قدر لها أن تزداد اتساما بالطابع الحضري والتجاري.
في ذلك الجزء غير المحتمل من العالم، أطلت معجزة لم تعرف الدنيا لها نظيرا، عندما أنزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون الرسالة السماوية الموجهة إلى كل البشر على امتداد العالم.
كان من المحتم أن يتم تدوين القرآن بشكل يكفل له الديمومة، وأن يكون في متناول البشرية جميعها، وكان ذلك يعني أنه لا بد من اكتشاف طريقة ما لتدوينه وحفظه، بشكل من أشكال الكتابة يمكن أن يقرأ ويكتب بقدر ما من السهولة واليسر.
وكان العرب في تطورهم الفكري والثقافي قد ورثوا، مع بعض التعديلات، الخط شبه اللين الذي ابتدعه النبطيون. وقد برز هذا الخط بعد تغيرات عديدة، ليصبح أداة إبداعية تتمتع بقدر مذهل من الانسياب والجمال، وتطور لكي يصبح القالب الذي دونت فيه آيات الذكر الحكيم. وبهذه الطريقة أصبحت كتابة اللغة العربية نشاطا يحظى بالتقدير والإجلال، وغدا الخط هو الشكل الفني الأرفع عند العرب، باعتباره الطريقة التي تدون بها آيات الذكر الحكيم.
والحقيقة أن الخط العربي جمع في النشاط نفسه كلا من الفن والأدب، حيث جرى تمكين الأدب والتاريخ والعلم، عبر الكتابة، من أن تحتل مكانتها المميزة في الوجود الإنساني. وفي لبنان وفلسطين ظهر واحد من أهم الأعمال الإنسانية وهو الأبجدية الفينيقية، التي جمعت بمرونة، بين عدد محدود من الإشارات التقليدية بشكل يسهل تكراره. ودون هذا الإنجاز، فإن تطور الحضارتين الإسلامية والغربية بتنميتهما للمعرفة الإنسانية، ما كان يمكن أن يكون ممكنا.
وقد اعتمد الأدب المسماري القديم في بلاد الرافدين على استخدام ألواح الطين المحلي، بينما كان الحجر في مصر بداية هو الوسيط الرئيسي للنقوش الهيروغليفية، غير أن اكتشافا مهما تم في مصر لاحقا، فتح الطريق أمام وسيلة مرنة لتسجيل ونسخ النصوص المكتوبة. فقد اكتشف أن نباتات البردي الشهير يمكن استخدامها لإنتاج فروخ من مادة ذات نعومة معقولة، أمكن أن تكتب عليها إشارات عدة بفرشاة أو بقلم.
وقد فتح هذا الطريق أمام أساليب أكثر ليونة وتماسكا في الكتابة، مثل الخط الديموطيقي وغيره من الخطوط.
وكان العرب هم المسؤولون عن تعريف المنطقة، وفي وقت لاحق تعريف أوروبا عن طريق الأندلس، بمادة جديدة قدر لها بمفردها أن تحقق إنتاج الكتب على نطاق واسع. فقد كان الصينيون اكتشفوا نهاية القرن الأول الميلادي أن مادة للكتابة تتميز بالقوة والمرونة، وفي المقام الأول بالطابع الاقتصادي، يمكن إنتاجها من خلال تنقيع الخرق القديمة. وقد اقتصر فن صنع هذه المادة التي عرفت لاحقا باسم الورق، على الصين والدول المجاورة لها نحو سبعة قرون.
ولكن في القرن الثامن الميلادي اتصل العرب المسلمون بالصينيين بعد فتحهم آسيا الوسطى، وتسجل المصادر العربية أنهم أسروا بعض صناع الورق الصينيين عام 751 واستفادوا منهم بإنشاء مصنع للورق في سمرقند.
من هذا المصنع انتشرت صناعة الورق لتعم أرجاء العالم الإسلامي، فقد أنشئت مصانع الورق في بغداد ودمشق والقاهرة، وعلى امتداد قرون عديدة ظلت دمشق المزود الرئيسي لأوروبا بالورق، حيث كان يعرف في أوروبا باسم "شارتا دامسينا". ولكن في القرن الثاني عشر وحده، بعد أن أدخل العرب صناعة الورق إلى صقلية والأندلس، انتشر إنتاجه ليعم أوروبا.
وهكذا فإن الحضارة الغربية مدينة كليا للعرب بإدخال هذا الابتكار إلى أوروبا، وهو الابتكار الذي اعتمد عليه تطور الحضارة الغربية إلى حد كبير.