يعد التوطين هدفا مهما للحكومة الاتحادية منذ قيام الاتحاد وحتى يومنا هذا. ولم تتوانَ الحكومة الاتحادية يوما في دفع جهودها الرامية الى التعجيل بعملية التوطين ودفعها قدما الى الامـام لما في ذلك من مصلحة وطنية عليا.

وكانت الحكومة تعتمد على عدة قضايا أهمها الرغبة في الاستفادة القصوى من الموارد البشرية المواطنة في التنمية المجتمعية والتقليل مـن الاعتماد على الأيدي البشرية المستوردة، خاصة وأن الأيدي المواطـنة قد توفرت لديها وعلى مر السنين الماضية كل ما تتطلب من تعليم وتدريب وتأهيل تام الى أن توفر لدولة الإمارات كفاءات مواطنة تفخر بها، وهي اليوم المسؤولة عن صنع القرار التنموي في الدولة.

وعلى الرغم من تلك الجهود المكثفة في اتجاه التوطين الا أننا لا نستطيع أن نقول إننا نجحنا في هذا المجال النجاح الذى نتمناه. فمازال التوطين الكامل حلما يداعب الكثيرين ليس فقط في القطاع الخاص كالبنوك والمصارف وإدارة الاعمال، ولكن حتى في بعض المؤسسات الوطنية الرائدة والتي لا ينقصها الموارد البشرية المواطنة ولا الكفاءات الوطنية ولا الخبرة والمعرفة بخبايا وسير الامور في تلك المؤسسات.

ويبدو أنه ليس فقط الاعلام من يعاني من تراجع نسبة التوطين بل أيضا مؤسسات التعليم العالي والكثير من المؤسسات الوطنية الكبرى والتي يجب أن تفخر بأنها وطنية من خلال كوادرها المواطنة. ولا يخفى على أحد النتائج السلبية التي تترتب على فشلنا في التوطين حتى الآن.

فالمؤسسات التعليمية العليا والمسؤولة عن غرس الهوية الوطنية يديرها أجانب، والمؤسسات الاعلامية المسؤولة عن صورتنا في العالم الخارجي تعج بغير المواطنين، والمواطن لأسباب كثيرة أصبح إما يتهرب من العمل في هذه المؤسسات، وإما لا يستمر فيها طويلا إن عمل، والنتيجة واضحة فشل في عملية التوطين ونتائج سلبية بعيدة المدى علينا جميعا.

وأمام هذا الفشل لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي بل اتخذت إجراءات عديدة في محاولة لدفع عملية التوطين الى الامام وإجبار من يتهرب من المؤسسات الخاصة على التقيد بلوائح وتشريعات الدولة. فعلاوة على جعل عام 2013 عاما للتوطين اتخذت عدة إجراءات من شأنها دفع عملية التوطين عبر تشجيع الشباب على ارتياد مجالات غير متعارف عليها كالسياحة والفنادق مثلا، وغيرها من المجالات.

والتي تعاني من نقص حاد في نسبة التوطين. ولكن تلك الاجراءات في الكثير من الأحيان تقف عاجزة عن التعامل مع عملية التوطين المعقدة، منها على سبيل المثال لا الحصر قلة العنصر البشري المواطن وعدم الرغبة في الكثير من الاحيان في العمل في مجالات معينة كالفنادق وقطاع الطيران وغيرها من المجالات لأسباب اجتماعية كثيرة.

ومما لا شك فيه أن التوطين سار حتى الآن خطوة الى الامام ولكنـه أيضـا سار خطوتين الى الخلف. والسبب ليس فقط في عدم جاهزية العنصر المواطن في العمل في بعض القطاعات ولكن فـي الكثير مـن الأحـيان في سياسات بعض المؤسسات، وللأسف الوطنية، والتي اصبحت تحسم المنافسة على الوظائف لصالح الاجنبي وليس المواطن، خاصة في الوظائف الكبرى.

فمثلا الكثير من المؤسسات الوطنية وخاصة المختصة بالتعليم العالي، والتي ترنو الى التقييم العالمي أو ما يسمى "كريديتشين"، جلبت عناصر من الخارج وبالأحرى غربية حتى تستطيع المنافسة والوصول الى العالمية والحصول على التقييم العالمي حتى وإن خسرت تقييمها وحسها الوطني. الكثير من المؤسسات الوطنية الكبرى تتخلى وبسهولة عن المواطن وتدفعه للتقاعد مثلا لكي تعين مكانه أجنبياً، الكثير من مؤسسات التعليم العالي تتجه نحو تعيين العناصر الأجنبية بكل سهولة .

بينما تضع العراقيل أمام المواطن في تحدٍ صارخ ليس فقط لتشريعات وقوانين الدولة ولكن حتى لمشاعر المواطنة والهوية والتركيبة السكانية المختلة، الكثير من المؤسسات مازالت تجلب عناصر أجنبية تحت مسميات عدة أحيانا تحت مسمى خبير وأحيانا أخرى مستشار وأحيانا ثالثة مقيم أجنبي.

وكل هذه الممارسات تدفع عملية التوطين خطوات الى الوراء. تلك الممارسات ليست بغافلة علينا بل إنها تمارس في الكثير من الاحيان في الجهر، الأمر الذى يخلق حـنقاً وتذمراً بين أطياف عديدة من المواطنين ويدفعهم الى اليأس.

التوطـين يجـب أن يكون هـدفا ليس فقط للحكومة أو الدولة ولكـن لكـل مؤسسـة وطنية أو غير وطنية عليها واجـبات تجـاه هـذا المجـتمع الذي تستفيد منـه كل الاستفادة في صـورة امتيازات وإعفاءات كثيرة تكسبها الملايين من الدراهم سنويا في صورة أرباح. فالتوطين يجب أن يكون جزءا من المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن تتبناها كل مؤسسة وجزءا مهمـا من واجبات كل مؤسسة تجاه هذا الوطن. وبدون وجود ذلك الاحساس وتلك المسؤولية لن تنجح عملية التوطين بل ستظل عملية ناقصة تمشي خطوة الى الامام وخطوتين الى الخلف.