وضع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، قبل أيام، اللبنة الثانية والثلاثين في بناء العمل الخليجي المشترك، والتنسيق عالي المستوى وتبادل الخبرات ومواجهة التحديات، لتقف دول المجلس اليوم على إنجازات كبيرة ومتواصلة، فتحت أمامها آفاقاً من الاتفاقيات الإقليمية والدولية، مؤكدة نضج التجربة وعمقها واستشرافها المستمر لضرورات المرحلة، وحضورها الإقليمي والعربي أمام العديد من الملفات والقضايا المصيرية والحساسة.
ولا شك أن الخطوة الحضارية الكبرى في إنشاء مجلس التعاون، قلبت موازين التأثير الإقليمي والعالمي، وعادت على أبناء الخليج العربي بالكثير من العوائد التي يلمسها كل فرد من أبناء دول التعاون، ليس أقلها تحقيق التكامل الاقتصادي والمالي والتعاون العسكري الاستراتيجي، فضلاً عن الاندماج الثقافي والاجتماعي.
فعلى الجانب الاقتصادي نجحت دول المجلس خلال العقود الماضية، في تطوير علاقاتها الاقتصادية بما يقربها من الوحدة الاقتصادية، وتبني العديد من القرارات المهمة التي دفعت بالعمل المشترك خطوات كبيرة إلى الأمام.
أما على صعيد التعاون الخارجي فكان تنسيق السياسة الخارجية أحد الجوانب المهمة في أعمال المجلس، وبدت في توحيد المواقف السياسية لهذه الدول وتمكينها من صياغة سياسة خارجية مشتركة حيال العديد من القضايا الأساسية، وصياغة موقف خليجي منسجم ومتجانس من القضايا السياسية والأمنية التي تهم دوله، عربياً وإقليمياً ودولياً، والقدرة على التحرك الدبلوماسي الجماعي الفاعل.
وفي باب الإنجازات الأمنية والعسكرية المشتركة، تبرز التسهيلات الكبيرة لدخول وخروج أبناء مجلس التعاون بين دوله، أبرز الخطوات في هذا الاتجاه، وهو ما انعكس على آفاق الاستثمار وتحرك رأس المال بحرية وأمان بين هذه الدول، كما لعب إلغاء تأشيرات الدخول والإقامة عن مواطني دول المجلس، دوراً واضحاً في ذلك.
كما أقرت دول المجلس استراتيجية أمنية لمكافحة التطرف المصحوب بالإرهاب، وتوصلت إلى اتفاقية لمكافحة الإرهاب، والتوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك التي وضعت المرتكزات الأساسية للتعاون العسكري، وأكدت عزم هذه الدول على الدفاع عن نفسها بصورة جماعية.
ووضع المجلس استراتيجية دفاعية لتنسيق وتعزيز التكامل والترابط، وتطوير الإمكانات الدفاعية المشتركة، وتعد قوات درع الجزيرة ضمن أبرز هذه الإنجازات.
وبالعودة إلى منطلقات التأسيس، نجد أن الثوابت الكبرى بين دول المجلس كانت حاضرة بقوة يومها، ولا تزال هي صمام الأمان الأكثر تأثيراً في بقاء التنسيق المشترك بين دول التعاون، بل هي الدافع المستمر للحفاظ على هذا المنجز التاريخي وتطويره والارتقاء به إلى مصاف الاتحادات العالمية الدولية المؤثرة.
فلقد كانت وثيقة التأسيس مبينة وواضحة في أن إنشاء مجلس التعاون الخليجي، جاء «إدراكاً منها لما يربط بينها من علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة، أساسها العقيدة الإسلامية، وإيماناً بالمصير المشترك ووحدة الهدف التي تجمع بين شعوبها، ورغبة في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بينها في جميع الميادين، واقتناعاً بأن التنسيق والتعاون والتكامل في ما بينها إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية، واستكمالاً لما بدأته من جهود في مختلف المجالات الحيوية التي تهم شعوبها وتحقق طموحاتها نحو مستقبل أفضل، وصولاً إلى وحدة دولها، وتماشياً مع ميثاق جامعة الدول العربية الداعي إلى تحقيق تقارب أوثق وروابط أقوى، وتوجيهاً لجهودها إلى ما فيه دعم وخدمة القضايا العربية والإسلامية».
هذه المنطلقات الراسخة بين دول مجلس التعاون، هي التي أهلته لأن يواجه الكثير من التحديات الإقليمية والعالمية والخروج منها أكثر صلابة وتماسكاً، كما أن هذه الجذور والثوابت المشتركة، فضلاً عن الآمال والطموحات الكبيرة المتعاضدة، كانت على الدوام المحرك لمزيد من تطوير آليات المحافظة على منظومة العمل الخليجي المشترك، لخدمة مصالح أعضائه وصون أمنهم واستقرارهم.
واليوم يبدو أن مجلس التعاون مطالب أكثر من أي وقت، بأن يأخذ دوره الحقيقي المأمول في التعامل مع أعقد الملفات العربية والإقليمية في ظل الظروف الحالية التي يمر بها العالم العربي، وقد أثبت المجلس في الماضي وسيثبت اليوم، أنه قادر على مساعدة الدول العربية والمنطقة كلها، على المزيد من الاستقرار والنهوض وتحقيق التنمية المأمولة.