أن تتحقق أمنية طفل عربي مريض بمرض خطير، فهذا من الأمور التي تثلج الصدر، وتهدئ من ثورة العقل والتفكير في هذه الأيام، التي أصبحت فيها الأمور والقضايا متداخلة، بحيث لا تستطيع أن تمسك بطرف الخيط الذي يوصلك إلى بداية المعرفة للموضوع المراد معرفته. وتتشابك مع خيوط العنكبوت، رقيقة في مظهرها وأشد صلابة من الحديد والفولاذ، وبالتالي تقيدك من دون الحصول على فكاك منها.
ففي الكثير من البلدان أصبحت مقولة «الثورة تأكل أبناءها» مشاهدة يومية، حتى أنك تود الهروب من هذا الواقع والذي لم يحافظ على ما هو موجود، ولم يدرك كيفية تنظيم الجديد!
أهي المصادفة التي أوصلت أولئك، أم القفز على إنجازات الآخرين؟!، وهم بذلك وصوليون وانتهازيون حتى العظم.
فهل يعقل أن يكون هؤلاء وأولئك جزءاً من مخطط تدمير المجتمعات العربية وجرها إلى الهاوية التي لا قاع لها، بل يزداد التفكك والاصطفاف في طوابير عديدة كل منها لديه أجندة خاصة قد تخدم مصالحها الآنية، وفي الوقت ذاته تخدم مصالح قوى أخرى، هي في حد ذاتها جزءاً ممن ينتظرون انهاك قوة المقاومة، حتى يتم نحرها ومن ثم سلب حياتها للأبد.
في ظل هذه الأجواء شديدة العتمة يرجو الإنسان بروز خيط من النور، قد يؤدي إلى الأمل من جديد، أم أن الأمل قد تم تقييده وربطه بسلاسل يحال كسرها، وكأن طوفان اليأس والإحباط قادم لا محالة لذلك. ولابد من رفع الراية البيضاء والركوع أمام جبروت القادم، والذي لا يرحم حتى الأطفال والحجارة، ويصب جام غضبه حتى على الآثار التي عمرت آلاف السنين والتي قاومت كل الغزاة وغضب الطبيعة بكافة أشكالها!.
قد يقال إن هذه المرحلة هي البداية للخروج من الأزمة التي طال أمدها وازدادت جذورها في الأعماق وبات من المحال الخروج منها بسلام، وهي روح استسلامية أصابها سرطان اليأس.
في ظل هذه الأجواء التي تحمل كل أنواع البرق والصواعق والمطر الأسود، يأتي تحقيق أمنية طفل عربي صغير جداً ويعاني من المرض القاتل والمعروف بمرض الثلاسيميا في أن يصبح ضابط شرطة وهو يدرك أن ذلك بات من المحال، وحتى مجرد التفكير فيه محال، إلا أن رياح الأمل قادمة دائماً.
إلا أن روح المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والتي أكدت على قهر المستحيلات والعمل على تسخير كل الإمكانيات لتحقيق الحياة الكريمة للإنسان، سواء في الإمارات أو الدول العربية، وحتى الدول الأجنبية الصديقة للعرب والمسلمين، ما تزال تجري في عروق أبنائها، سواء من الذكور أو الإناث. فلقد رسخ الأب المؤسس لدولة الاتحاد قيم التواضع واحترام الكبار والصغار من البشر في مجتمع الإمارات.
وتلك الصفة هي التي جعلت نسيانه من المحال، فهو حي في كل مكان، ولا يمكن نسيان مدى احترامه للإنسانية والبشرية في كل مراحل حياته، سواء في أيام العسر أو اليسر.
ولعل عبارة من "فرح صبي فقد فرح نبي" هي الأقرب للتعبير عن ما قام به الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية مع الطفل عمير محمد الفلاحي في الأسبوع الماضي حينما حقق حلمه في أن يصبح ضابطاً من ضباط الإمارات.
ونحن نرجو من الله تعالى أن يشفي هذا الطفل من المرض الخبيث، ويحقق حلمه حينما يكبر.
قد تكون هذه أمنية من أماني كل محبي الأطفال في العالم، والعلم الحديث قادر على قهر هذا الوحش الذي يلتهم العديد من البشر في كل أرجاء المعمورة.. ولكن لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس.
ولعل البعض يتساءل: هل من المعقول أن يفكر إنسان مسؤول ولديه العديد من القضايا التي يتابعها يومياً أن يلتفت وبشكل غير معهود لدى العديد من الناس، إلى قضية طفل واحد مصاب بهذا المرض، ويقوم بتحقيق أمنيته الوحيدة في الحياة!.
إن هذه اللفتة الإنسانية غير غريبة على أبناء ذلك الإنسان الرائع والذي لن ينساه التاريخ .. فالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ربى أبناءه على عمل الخير وتقديم العون للجميع، ولا حواجز بينهم وبين الناس. وهذا ما كان يؤكده طوال حياته (رحمه الله)
بات من المؤكد أن تطور المجتمعات تدريجياً خير من ألف بيان عسكري رقم واحد، وهو الإعلان عن موت الإنسانية وغياب الرحمة، وبروز الصراع على الكرسي، وقد يؤدي في النهاية إلى قتل من يجلس عليه، ولا يرحم من يقع تحت سيطرته.