هل يواجه أوباما فعلاً فضيحة بحجم ووترغيت، التي أطاحت بالرئيس نيكسون، ودفعته دفعاً للاستقالة؟ الإجابة في تقديري أن الفضيحة الأكثر خطورة على مقدرات الرئيس، سيطويها النسيان قبل غيرها. فأصل الحكاية، أنه في أسبوع واحد، انفجرت في وجه أوباما فضائح ثلاث، الأولى تتعلق بأحداث بنغازي، والثانية تتعلق بمصلحة الضرائب الأميركية، بينما تتعلق الثالثة بصحافيي الأسوشييتد برس.

والحقيقة أن كلاً من تلك القضايا يعتمل تحت السطح منذ فترة. فموضوع بنغازي مثار منذ فترة داخل الكونغرس، وله أبعاده السياسية والحزبية، إلى جانب أبعاده الأمنية.

ففور وقوع حادث اقتحام القنصلية الأميركية في بنغازي، والذي راح ضحيته السفير الأميركي وأربعة آخرون، برزت انتقادات في الكونغرس وجهت لوزارة الخارجية، تتهمها بتجاهل مطالب القنصلية برفع مستوى التأمين.

واتهمت الوزارة أيضاً بأنها، من أجل حماية فرص أوباما الانتخابية، سعت فور وقوع الحادث إلى تضليل الرأي العام، عبر رفض الاعتراف بأن تلك كانت جريمة إرهابية، لا مجرد "احتجاجات عفوية، تطورت إلى عنف خرج عن السيطرة لاحقاً".

ولم يتوقف الجدل داخل الكونغرس وخارجه، إلى أن حصلت قناة "إي بي سي" الإخبارية على تفريغ لرسائل إلكترونية متبادلة بين المخابرات المركزية والبيت الأبيض ووزارة الخارجية، تفيد بأن التقرير الذي كتبته وكالة المخابرات المركزية عن تقييمها للحادث، قد تم تعديله أكثر من مرة، حتى حذفت منه أية إشارة إلى "متطرفين إسلاميين منتمين للقاعدة"، كمشاركين في الهجوم على القنصلية.

وهو التعديل الذي كانت وراءه وزارة الخارجية، وبعلم البيت الأبيض، وضمته المخابرات لتقريرها، الذي كان معلوماً وقتها أن سوزان رايس، كممثلة لإدارة أوباما، ستعتمد عليه إعلامياً لشرح موقف الإدارة وتقديرها للموقف في بنغازي. وتعني تلك المعلومات أن موضوع بنغازي قد تعرض للتسييس من جانب إدارة أوباما، خدمة لمصلحة الرئيس الانتخابية.

والواقع أن الاهتمام بالبعد السياسي لكل القرارات، من أهم سمات إدارة أوباما. صحيح أن الإدارات المتعاقبة اهتمت بالبعد السياسي لكل قضية ومدى تأثيرها في الرئيس سياسياً، إلا أن المعروف أن توم دونيلون رئيس الجهاز الفني للبيت الأبيض، قد نقل تلك العادة إلى مستويات أعلى بكثير.

غير أن من يقرأ ما جاء في نص الرسائل التي حصلت عليها إي بي سي، يلمح صراعاً مؤسسياً لا يقل أهمية عن التسييس.

فالمخابرات المركزية في تقريرها، سعت بوسائل شتى إلى أن تنفض يدها من المسؤولية، عبر التأكيد مثلاً على أنها "حذرت السفارة الأميركية في القاهرة"، من أن شبكات التواصل الاجتماعى حملت دعوات للتظاهر حول السفارة، وتهديدات باقتحامها.

إلا أن وزارة الخارجية طالبت بحذف العبارة، معتبرة أنها ستستخدم للتشهير بالوزارة.

بعبارة أخرى، تظل هذه القضية، رغم الضجة المثارة حولها، معبرة عن فوضى ناتجة عن تنافس بيروقراطي وتسييس، من جانب الخارجية لا البيت الأبيض، أكثر منها عملية تضليل متعمدة على غرار ووترغيت.

أما فضيحة مصلحة الضرائب، فقد تبين أنها استهدفت منظمات يمينية معارضة لأوباما، بالمزيد من التدقيق في فحص سجلاتها، غير أن تلك المنظمات كانت ضمن تلك التي تطلب إعفاء ضريبياً.

ولأن الشرط الأساسي للحصول على الإعفاء، هو أن تكون المنظمة غير الحكومية منظمة خيرية أو غير هادفة للربح، ولا تعمل في السياسة، فإن السعي للتحقق من موقف تلك المنظمات، صار أمراً تطالب به قطاعات واسعة داخل أميركا، بعد أن سعت عشرات المنظمات للحصول على الإعفاء الضريبي، كغطاء تقوم بعده بجمع الأموال لتمويل الحملات الانتخابية.

ولأن ذلك الفحص في ذاته مطلب شعبي، فإنه من الصعب أن تتحول هذه القضية إلى التأثير بشكل جوهري في إدارة أوباما، ما لم يثبت تورطه شخصياً في الأمر.

لكن الفضيحة الأخطر على الإطلاق، هي تلك المتعلقة بالأسوشييتد برس.

فهي فضيحة من العيار الثقيل، لأنها لا تتعلق فقط بحرية الصحافة المنصوص عليها في التعديل الأول للدستور الأميركي، وإنما تتعلق أيضاً بملاحقة أصحاب الضمائر الحية داخل المؤسسات الحكومية، الذين يكشفون أي تجاوزات داخلها.

فقد تبين أن وزارة العدل الأميركية حصلت سراً على سجلات هواتف عدد من الصحافيين العاملين في الأسوشييتد برس، دون علمهم المسبق ولا علم الوكالة.

والسجلات المعنية ضمت كل الهواتف التي يستعملها أولئك الصحافيون، الأرضية والنقالة، الخاصة مثل هواتف المنازل، والعامة التي تخص الوكالة، وذلك في ثلاث مدن أميركية. والهدف من الحصول على تلك السجلات، كان التوصل لمصادر أولئك الصحافيين، بعد أن نشروا موضوعاً عن إحباط عملية للقاعدة.

والحقيقة أن إدارة أوباما تعتبر من أسوأ الإدارات على الإطلاق في ملاحقة من يطلق عليهم "حاملو صفارات الإنذار"، أي أولئك الذين يشيرون بالأدلة إلى التجاوزات أو سوء استغلال السلطة داخل المؤسسات الحكومية. فهي تلاحق الصحافيين ومصادرهم، بدعوى حماية الأمن القومي.

ورغم أن قضية الأسوشييتد برس هي الأخطر، وتمثل نظرياً الزلزال السياسي الذي قد يهدد الرئيس، إلا أنها الأقل ترشيحاً للانفجار في وجهه.

فالقضية وقعت في أجواء لا تزال تشير إلى استعداد أميركي عام للتخلي عن الحريات مقابل الأمن القومي.

ولولا تلك الأجواء، لما جرؤ أوباما على أن يعلن صراحة رفضه الاعتذار عن الواقعة. أكثر من ذلك، فواقعة الأسوشييتد برس، مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الوقائع المشابهة، تواطأ الإعلام الأميركي على تجاهلها.

فهو رفض دعم برادلي ماننغ، الجندي الذي سرب الوثائق لويكيليكس، وتوم دريك الذي كشف فساداً في هيئة الأمن القومي.

وهذا يعني أن الإعلام قد تم تطويعه لقبول معادلة الأمن القومي على حساب الحريات، بما فيها حرية الإعلام!.