عندما استعصت على جيوش الاسكندر المقدوني مُدُنُ الهند المحصّنة جيداً والتي تملك مخازن كبيرة تُمكّنها من مقاومة الحصار لشهورٍ عديدة، أمر جيوشه بمهاجمة القرى المحيطة بكل مدينة وحرقها مع السماح لسُكانها بالهرب لتلك المدن، فامتلأت بالبشر اللاجئين إليها، وما كان يكفئ من مؤونةٍ لشهور نفد في أسابيع قليلة وعمّت المجاعة واضطرت تلك المدن للاستسلام الواحدة تلو الأخرى.
البعض لا يرى من الصورة الكبيرة إلا ما يهمه أو يواجهه أو يستلطفه، فيضيع في تفاصيل لا معنى لها وتغيب عنه أمورٌ عالية الأهمية، فلم تأتِ حلوله إلا منقوصة ولا أهدافه إلا غير متسقةٍ مع الواقع، ووحدهم القادة الأفذاذ من لا تغيب عنهم الصورة الكبيرة مهما تزاحمت من حولهم الأصوات، ووحدهم من يملكون خططاً مرنة وطموحة عندما يغرق البعض في "تكتيك" ضيق الأفق يعتمد على ردّات الفعل لا على المبادرة و الابتكار الخلاّق!
كلما قرأتُ كغيري عمّا يحدث في بلدان العرب التي ثارت ثم احتارت وضاعت في دوامات من الصراعات لغياب التخطيط السليم والأهم من ذلك لغياب تغليب الكل على البعض وترجيح الوطن وصالحه على المكاسب الشخصية الضيقة حتى قلنا بلسان الحال : "ياليتك يا أبو زيد ما غزيت!"، كلما كَبُر في عيني ما صنعه الأتراك الجُدد وما خلقوه لبلادهم من ازدهار.
وما صنعوه من خيرٍ واستقرار ووئامٍ داخلي، فبعد خروج رجب طيب أردوغان من السجن وعودته لرئاسة الحكومة، لم ينتقم، و لم يتوعد، ولم يبدأ في سياسة إقصاء كما يفعل العرب المغاوير، فلا يمكن أن يتماسك الكيان الكبير إن كانت أجزاؤه متنافرة.
ولا يمكن أن يُزهر غصنٌ عندما يكون مقطوعَ الساق، فكان بداية ما فعل قبل أن ينظر للأرقام وكل تلك النتاجات أن اهتم بالممكنات وبتهيئة البيئة العامة لرحلةِ تفوّقٍ تحتوي الكل وتحترم اختلاف مكوّناته وخصوصياتها، فقام بالتصالح مع الأرمن بعد عداء تاريخي بائس.
وقدّم اعتذاراً رسمياً تاريخياً للأكراد عن أحداث ثلاثينيات القرن الماضي وأعاد لـمُدُنهم وقُراهم أسماءها الكردية بعد سنين طويلة من الحظر وافتتح بنفسه تلفزيوناً رسمياً ناطقاُ بلغتهم الكردية، فكسب ثقتهم ونجح في اعادتهم لفسيفساء المجتمع التركي!
ورغم خلفيته الدينية المحافظة إلا أنّه لم ينزلق في بؤرة النظرة الأحادية ولم يقم بإعلان الحرب على خصومه العلمانيين، بل احترمهم واحترم مؤسساتهم كطريقة منطقية وبدهية لكسب احترامهم في المقابل، فهم جزء من المجتمع لا يمكن إلغاؤه ولا وصمه بتُهَمٍ مُعلّبة لمجرد اختلاف الفكر، فمن الضروري أن تفهم الآخر قبل أن تُطالبه بفهمك .
كما يؤكد على ذلك ستيفن كوفي، ثم هو فوق ذلك لم ينابز الغرب بالعداء أو يتصادم معهم، فليس ذلك بصوابٍ كما أنه بالتأكيد ليس بخيار عقلاني لدولةٍ تطمح للريادة ولا يمكن لتلك الريادة أن تتحقق في إطارٍ عدائي تجاه من حولها، فأُحادية النظرة هو ما تسبب بإخفاقات ثورات العرب، فالكل يدّعي معرفته بكل شيء.
وبأنه يملك حلولاً لكل المشاكل، ويرى أن استعانته بالغير ممن هم على خلاف مشربه جرحاً في كبريائه أو اهانة لطريقته مهما ظهر من سطحيتها واعتمادها على الخطابيات والشعارات، كما أن البحث عن عداء نُعلّق عليه مشاكلنا يعتبرُ أمراً لا ينافسنا فيه أحدٌ كثقافة تبريرية اتكالية!
لم يأتِ أردوغان من مقهى يرتاده العاطلون والثرثارون، أو كرسي تدريس لا يرى إلا مثالية النظريات المجرّدة، بل اشتد عوده في العمل وبرع ابّان عمله كرئيس لبلدية اسطنبول، فجمع المعرفة بالتطبيق، والفكرة بالممكن، وقوّم اعوجاج المنهجيات بمطرقة التنفيذ، فلما أتى لرئاسة الحكومة أتاها وقد اكتملت لديه الأدوات :
العقل والقلب واليد، الفكر الشمولي مع الحب المتقد لبلاده وشعبه بمختلف أطيافهم واليد العاملة التي لا تعرف الكلل ولا تعترف بالمعوقات، فكانت النتائج أمراً يفوق الخيال في سنواتٍ قليلة، فحالياً يأتي الاقتصاد التركي في المرتبة 17 عالمياً بناتج قومي إجمالي بلغ 1.3 تريليون دولار، وأصبحت تركياً السابعة عالمياً في تصدير المنتجات الزراعية.
والثالثة عالمياً في تصنيع أجهزة التلفاز، والثالثة في تصنيع الحافلات، ومن بين كل ألف سيارة تُصنّع عالمياً هناك 15 سيارة تركية الصنع، وهي الخامسة في صناعة السفن والثالثة في صناعة اليخوت، والأولى أوروبياً في صناعة النسيج، وأصبحت ثالث دولة في العالم بعد أمريكا واسرائيل في تصنيع الطائرات بدون طيّار واكتفت ذاتياً في الصناعات العسكرية .
وبدأت في تصنيع أول قمر صناعي استخباراتي، وارتفع دخل الفرد خلال تسع سنوات من 3500 دولار إلى عشرة آلاف وخمسمئة، وارتفع حجم الصادرات من 30 ملياراً عام 2003 إلى 130 ملياراً عام 2012 ، و بعد أن كانت قبل ثلاثة عقود تحقق صادراتها ثلاثة مليارات في السنة أصبحت تحقق نفس المبلغ في اليوم الواحد فقط !
إن الأرقام كثيرة والتي تدل على نهضة رائدة غير مسبوقة لم تنتج عبثاً، بل أتت إثر تخطيط كبير وخطة عمل طموحة، ولم يدّعِ فصيلٌ وحيد بأنّه فوق البقية وبأنه الوحيد القادر على تصحيح الأمور بل كان الأمر واضحاً منذ البداية أن الوطن وطن الكل وأنّ الجميع مطالب بالمساهمة في بناء تركيا الغد.
وأن المؤسسات السليمة والفاعلة ذات الفكر التوفيقي الاحتوائي لا الاقصائي هي من يستطيع تحريك مفاصل الاقتصاد المترهلة ومن بمقدوره خلق الفارق، وأنّه لا يمكن أن تُجامل طائفةٌ بعينها على حساب بقية الطوائف ثم تتم المطالبة بكيانٍ كبير متوهج، فلو اهتمّت مدن الهند بتطوير القرى المحيطة بها وتحصينها كتحصينها لنفسها، لما سقطت بتلك الطريقة المزرية أمام الإسكندر وعسكره!