"الحدث" و"الظاهرة" شيئان مختلفان، رغم أن معنييهما قد يقتربان من بعضهما أحياناً ليربكا أذهان البعض. نحن نشهد كل يوم، محلياً وإقليمياً ودولياً، عدداً لا يحصى من الأحداث التي تمس جوانب مختلفة من الحياة بهذا القدر أو ذاك.

فكل ما يترتب على موقف أو فعل يتخذه فرد أو مجموعة من الأفراد، ويدوم لفترة زمنية محدودة ويؤثر في مجرى الحياة اليومية له أو لهم، أو يشد الانتباه ويلفت نظر آخرين، هو حدث. هذا الحدث قد يكون زيارة شخصية مشهورة لمدينة صغيرة، أو خروج تظاهرة في مدينة لم تعتد على ذلك، أو تحطم طائرة، أو سرقة مصرف، أو تفجيراً إرهابياً، أو انقلاباً عسكرياً، أو عارضاً بيئياً، مثل فيضاناً أو موجة جفاف أو هزة أرضية أو انفجار بركان.

الحدث أياً كان نوعه وصنفه، قد تقتصر أهميته على مجموعة محدودة من الأفراد، وقد ينسحب على قطاعات واسعة، ليكون جزءاً من ذاكرة المجتمع، ويصبح يوم أو سنة حدوثه بمثابة مفصل زمني تنسب أحداث وقعت قبله أو بعده إليه، لأنه حدث غير عادي. ففي العراق، هناك أحداث مفصلية عديدة، أبرزها انقلاب بكر صدقي عام 1937، وانقلاب رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وثورة الرابع عشر من يوليو عام 1958، وانقلاب الثامن من فبراير عام 1963، وسقوط بغداد في التاسع من أبريل عام 2003.

الحدث فعل عابر لفترة وجيزة على الإحداثي الزمني، أما "الظاهرة" فهي شيء مختلف، يختص بما هو متميز وما هو غير عادي، إلا أن له حضوراً طويل الأمد. ولا يجد المرء عادة عناء كبيراً في التعرف إلى الظاهرة وتحسس تأثيراتها، فهي تكشف عن نفسها بوضوح. ويستخدم مصطلح "الظاهرة" استخدامات مجازية أحياناً، كأن يطلق على شخص متميز في أحد المجالات ذات الصلة بالحياة العامة.

الظاهرة تختلف عن الحدث، كونها ليست شيئاً عابراً، فهي تتشكل على أمد زمني طويل، نتيجة تكرار أحداث متشابهة في تأثيراتها وفي الدوافع وراءها في أزمان مختلفة، لتصبح موضوعاً قائماً بذاته يستحق الدراسة والتحسب له ولتداعياته السياسية والاجتماعية والأخلاقية.

ما وقع في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في نيويورك حدث غير عادي، وبمستوى أقل أهمية التفجير الذي وقع في مدينة بوسطن الأميركية مؤخراً، فهو الآخر حدث غير عادي، عكر صفو الحياة اليومية للمدينة، وسيدور الحديث عنه وعن تداعياته ربما لسنوات قادمة. إلا أن أي تفجير يحصل في العراق، لم يعد حدثاً غير عادي، وذلك لكثرة تكراره، حيث تحولت التفجيرات إلى ظاهرة اعتاد عليها الناس.

وحين تدوي فضيحة فساد في إحدى الدول الديمقراطية، ينشغل الرأي العام بها، لأنها حدث غير عادي، أما الفساد في العراق، فلكثرة حدوثه واتساع قاعدته، لم يعد حدثاً غير عادي، فقد أصبح هو الآخر ظاهرة مزمنة في الوسط السياسي العراقي، على مدى السنوات العشر المنصرمة.

إن تحول الأحداث غير العادية إلى ظواهر، مسألة تستوجب التوقف، فهي مؤشر خطير، لكونها ذات بعد سلبي، ولأنها تختص بقضايا يعاني منها ومن نتائجها جميع العراقيين على حد سواء.

والحقيقة أن التمعن في الأحداث التي تدمر العراق بمنهجية وإصرار، والتي تجري بتكرارية على مدى السنوات العشر الماضية، يدفعنا للقول بأنها لم تعد أحداثاً عابرة تترك نقاطاً سوداء في الذاكرة الجمعية للمجتمع العراقي، بل تحولت إلى ظواهر مدمرة بكل معنى الكلمة. فالفشل على مستوى الدولة ظاهرة، انتهاك حقوق الإنسان ظاهرة، غياب الخدمات ظاهرة، فقدان الأمن ظاهرة، الجريمة ظاهرة، الرشاوى والسرقات والتجاوز على المال العام ظاهرة و.. و..

وحين نتحدث بهذه المستويات، لا مفر من القول، بألم شديد، إن الخلل قد أصبح ظاهرة بنيوية، وليست سطحية في المنظومة القيمية السائدة في المجتمع العراقي الذي بيده التغيير، إلا أنه لم يُبد حتى الآن ما يشير إلى أنه راغب بشكل جدي في ذلك. فنتائج انتخابات المجالس المحلية التي جرت مؤخراً، لا تشجع على الاعتقاد بأن المواطن العراقي قد بدأ يتحرر من الخدر الذي أسقط وعيه وقيد إرادته.

لا شك أن خصائص البنية المجتمعية، هيكلاً وثقافة وعلاقات وسلوكيات، ليست من الثوابت، فهذه البنية تتأثر بمرور الزمن، وتتغير معالمها على إيقاعات الأحداث الداخلية وأساليب التعاطي معها، وعلى مدى ما تلقى من صدى لأحداث إقليمية وعالمية تنعكس عليها، خاصة حين تنتقل مرجعية صياغة السياسات وتعيين الأهداف من أيدي أبناء المجتمع الحريصين على مصالحه، إلى أيادٍ أخرى لا تضع مصالح الوطن نصب عينيها بالدرجة الأولى.

إن تحول جميع هذه السلبيات المدمرة إلى ظواهر بين ظهراني العراقيين، مؤشر خطير على بدء تفكك البلد، حيث يزداد التمحور الطائفي والمناطقي، بل وعلى مستوى المدينة نفسها، لأسباب بدأت تصبح موضوعية في نظر الكثيرين. فقد أصبح الجو الفكري والثقافي السائد يعبد الطريق نحو شرعنة المشاريع التفكيكية للدولة العراقية، تحت ستار ما أتاحه الدستور من تكوين أقاليم تتمتع بنوع من الاستقلال الإداري والمالي، وهي خطوة أولى قد ينزلق العراق بعدها نحو التفكك إلى دويلات، وما يصاحب عملية كهذه من عنف دموي، قد لا تتسع الأراضي العراقية وحدها لاستيعابه.

في الماضي، لم تكن وحدة العراق موضع تساؤل أو قلق، ولم يكن التخوف عليها يشغل بال أحد، إلا أنها بدأت تصبح بفعل الأجواء السائدة والثقافة الجديدة التي بدأت تنخر في بنية المجتمع العراقي، مصدر قلق حقيقي، وهو أخطر ما يمكن لمسه من تحول في البنية المجتمعية.

اجتثاث هذه الظواهر من جسد العراق، يتطلب اجتثاث الخلل الذي صنعها وكرس وجودها، وذلك لم يعد بالأمر الهين، لأنه يتطلب وجود نوايا صادقة، وقوة مؤثرة في الوسط الجماهيري، قوة قادرة على تحشيد الرأي العام لصناعة خريطة سياسية جديدة في مجلس النواب القادم، ليعيد النظر في الدستور، ويعبّد الطريق نحو حكومة تعمل على ترسيخ ثقافة وتقاليد ذات طبيعة مدنية، ترى أن سعادة شعبها تكمن في تحويل اتجاه ناظريه نحو الأمام بدل الوراء، نحو المستقبل، وليس نحو الماضي.