ذهبت إلى تونس وكلي شوق لأرى ماذا فعل دعاة الإصلاح، النهضويون، إخوان المسلمين، العائدون من أوروبا، وظننت - رغم أن بعض الظن إثم - أقول لكم، إنني ظننت أن تونس أخرى سأرى، وتوانسة آخرين سألتقي، فهؤلاء الجالسون على كرسي حكم الأرض التي تشبه قطعة من الجنة، الخضراء النضرة، رغم كل ما مر بها من قبل، إنهم الوحيدون الذين لم يسموا أنفسهم من بين الإخوان حزب «الحرية» أو «العدالة» أو «التنمية» أو كلها مجتمعة، بل هم «حركة النهضة»، وهذه كلمة لها وقع السحر على ذاكرتنا العربية والإسلامية، فنحن كنا وما زلنا نتغنى بها.. جيل ثورة يوليو في مصر وحركات التحرر التي أثمرتها في الوطن الكبير، وأيضاً الأجيال التي جاءت بعده، لا يمكن أن ينسوا ماذا تعني كلمة «نهضة».
لا أحتاج إلى قاموس حتى أعرف الكلمة، فالنهضة تعني النهوض، والنهوض يعني الوقوف والتقدم والانطلاق والشموخ، إلى الأحسن بكل تأكيد، إلى الأمام، إلى تغيير الحال السيئ، إلى رفع المعاناة، إلى إثراء الانتماء، إلى حشد الطاقات، إلى شحذ الهمم، إلى العزة والكرامة، وإلى العدالة الاجتماعية.
تلك هي النهضة، وقد رأيتها من قبل في مصر، مصر التي قال الإخوان إنهم سينهضون بها، وقالوا إن برنامج حكمهم سيبنى على مبادئها، وقد رأيتها في آخر مرة في شهر يناير الماضي، رأيت مصر، ورأيت نهضة تقود إلى الوراء، نهضة تراجعية، تسير عكس الاتجاه، نهضة تنسف كل المعاني الجميلة التي رسخت في عقولنا وقلوبنا.. فقلت: إن تونس شيء آخر، ولا بد أن تكون التجربة مختلفة، هنا جاء القادة من أوروبا وليس من السجون والمخابئ، وهنا يتفاخرون بأنهم أول الذين أشعلوا شرارة «الربيع العربي»، وقد انقطعت عنها عامين كاملين.
صحيح أن زيارتي الأخيرة كانت بعد رحيل بن علي، ولكن الإخوان كانوا لا يزالون يترقبون القبض على مقاليد الحكم، والقوى الأخرى كانت تعيش في مرحلة انتشاء، ومنشغلة بإنجاز إسقاط «الطاغية»، كما كانوا يقولون بعد أربعة أشهر على ثورتهم، وقد استلم الإخوان الحكم، وها قد مرت سنة ونصف السنة تقريباً على نهضتهم، فماذا رأيت؟
شارع «بورقيبة» الجميل، ملتقى المثقفين والناشطين والمحتجين، نقطة اللاعودة التي ما إن وصلتها مسيرات يناير 2011 حتى اقتنع «بن على» بأنه فقد سلطته، فرحل في ذات اليوم.. هذا الشارع وصلته النهضة العظيمة التي بشرنا بها، وافترش الباعة الجائلون الأرض أمام المباني التاريخية، تماماً كما يحدث في شارع «طلعت حرب»! إنها «نهضة البسطات» على قارعة الطريق، وعرض البضائع المهربة أو المضروبة، دون خوف من بلدية أو شرطة، ونداءات الصبية تلفت الأنظار بعد أن تصم الآذان..
وهذا مؤشر على الحالة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فالبطالة ترتفع، وخط الفقر يقفز نحو الطبقة الوسطى، والسلف يستعينون بالداعية محمد حسان، حتى يحسن صورتهم التي أساؤوا إليها كثيراً بمواجهات مع أغلب فئات الشعب.
وهذه هي المرة الأولى التي أرى فيها أطفالاً يتسولون في تونس، تونس التي أعرفها منذ عام 1979، وكما قلت لذلك الشرطي الذي ترك كل المسافرين في المطار، ولم يستوقف غير الذين يلبسون الزي الخليجي ليسألهم عن «الدنانير» التي يحملونها.. وسأقولها لكم، عرفت تونس في عهد بورقيبة وبن علي، وها أنا أتعرف إليها في عهد النهضة الإخوانية.. والفارق بين ذلك الزمان وهذا، أنني أخرج من تونس حزيناً لأول مرة.