النشاط السياحي نشاط اقتصادي له مردود مادي، غير أنه من الأنشطة التي تتميز بخصوصية شديدة في التعامل معها من أكثر من ناحية، سواء من جانب من يقصد واجهة ما أو من ناحية الجهة المضيفة؛ فبعض الأنشطة الاقتصادية قد يقوم فيها الأفراد بالتعامل مع جهات بعينها، لاعتبارات تتعلق بندرة المنتج، أو باعتبارها المصدر الوحيد له ولا خيار أمامه في ذلك، وفي هذه الحالة ليست هذه الجهات في حاجة إلى بذل الكثير من المحفزات للجذب، لأن الاحتياج هو الجاذب والاحتكار هو الضامن لاستمرار هذه النوعية من المعاملات، حتى وإن لم تسد العلاقة بين الطرفين المتعاملين حالة من الرضى التام.

إلا أن الأمر يختلف كثيرا عند الحديث عن السياحة، لأنه نشاط لا يقوم به الفرد إلا عندما يتمكن من تغطية احتياجاته الحياتية الأساسية، ويحقق من دخله فائضا، أو يتمكن من الادخار الذي يجعله يفكر في القيام بهذا النشاط.

من ناحية أخرى، فإن الفرد في هذا النشاط، على وجه الخصوص، ليس مجبرا على التعامل مع وجهات محددة إذا لم يكن مشدودا إليها بقوة الجذب، لا بضغط الاحتياج أو الاحتكار أو الحصرية لمنتج ما، من هنا فإن رغبة الفرد تسبق احتياجه، وحاجاته النفسية تسبق احتياجه البدني.

لكل هذه الأسباب فإن الجهد الذي تحتاجه صناعة السياحة أضعاف ما يحتاج إليه غيرها، وإذا كان التخطيط في غيرها من الأنشطة من الأمور الجيدة، فإنه فيها من الضرورات التي لا تقبل التهاون، وخاصة في ظل منافسة محتدمة بين مختلف الواجهات السياحة العالمية، بما يحتاج إلى وضع خطط استراتيجية بعيدة المدى، نجيب فيها على أسئلة تميزنا عن غيرنا، ونحدد فيها من نحن وما يميزنا، وكيف نود أن يرانا الآخرون، والعمل بجهد مستمر لتحقيق الإجابات الناجعة على تلك الأسئلة.

ولكل ما سبق جاءت رؤية دبي 2020 لتطوير القطاع السياحي، لتكشف عن إدراك ووعي لأهمية هذا القطاع، ودوره الفاعل والمؤثر في اقتصاديات دول قائمة على النشاط السياحي، وهو ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عند اعتماده رؤية دبي 2020 لتطوير القطاع السياحي، متضمنة سلسلة من الأهداف الطموحة، من أبرزها زيادة التدفقات السياحية إلى دبي وصولاً إلى 20 مليون سائح بحلول مطلع العقد المقبل، وكذلك مضاعفة المساهمة السنوية للقطاع السياحي في الاقتصاد المحلي لدبي، إلى ثلاثة أضعاف ما يتم تحقيقه حالياً من عائدات، حين قال إن دولة الإمارات نجحت في تأكيد مكانتها على خارطة السياحة العالمية، وأوجدت لنفسها موقعاً بين أشهر المقاصد السياحية التي يفد إليها الزوار من كافة أنحاء العالم.

حيث قطعت بلادنا شوطاً طويلاً في مجال تطوير قدراتها السياحية، مدعومة في ذلك بسلسلة من المبادرات التنموية الطموحة والمشاريع النوعية التي شكّلت ركيزة قوية للانطلاق بخطى واثقة نحو المستقبل.

مؤكدا ومشددا على عدم الاكتفاء بما وصلنا إليه، ولكن لا بد من بذل المزيد، وحتمية مواصلة عملية التطوير قائمة لمواكبة ولمعرفة متطلبات السوق العالمية، مع رصد متغيراتها بعين واعية، بغية الحفاظ على المكتسبات المتحققة، واستشرافاً لآفاق جديدة من الإنجاز والتميز في هذا القطاع الاقتصادي الحاشد بالفرص.

ومن الصعوبة بمكان حصر آفاق السياحة في دبي، ولكن من الممكن إلقاء إضاءات حول بعضها تباعا. وهنا أود أن أشير إلى أن دبي تعتبر من المواقع الرائدة في صناعة المعارض، ليس على مستوى المنطقة فحسب، ولكن على المستوى العالمي، وهي ضمن الجهات الخمس المفضلة عالميا لإقامة المعارض، إلى جوار لاس فيغاس، وتايلاند، وكيب تاون، وميامي، إضافة إلى ألمانيا.

وهذه الصناعة التي توفر العديد من فرص العمل، هي أيضا من أهم عوامل الترويج لأية دولة في العالم، لأنها تساهم في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كما أنها تعكس قدرات وإمكانيات ومتانة البنية التحتية.

 فالأساس القوي الذي تستند عليه إقامة المعارض، هو الفنادق من حيث عدد الغرف ومستوى الخدمة، والتي تضم دبي أفضلها عالميا من الناحية الهندسية والجمالية، كما أن التنوع الاقتصادي الذي تتميز به دبي من حيث المنتج، يسمح كذلك بتنوع تلك المعارض.

وإذا كان رواد المعارض يأتون للاطلاع على آخر الصيحات والابتكارات، أو لتوقيع عقود أو تجديد عقود، فإنهم يأتون في المرات القادمة لأنشطة سياحية أخرى أكثر تنوعا؛ كما أن ترتيب دبي يأتي في الثلاثة الأول عالميا في إقامة المعارض، وفي مقدمتها جايتكس، للدرجة التي جعلت أحد البائعين في كوريا يخبرني عندما سألته عن منتج كوري جديد، قال ستجده في دبي قبل كوريا؛ كما أن معرض السياحة الرئيس في دبي، وهو "سوق السفر العربي" يعد الرابع عالميا، والذي يقام بالمركز التجاري في الأسبوع الأول من شهر مايو كل عام.

إن أهمية سياحة المعارض لا تنحصر فقط خلال فترة المعرض، ولكن طوال فترة الإعداد للمعرض والترتيبات الخاصة بزواره، والتي قد تمتد إلى عام أو أعوام، ودبي من الآن تستعد لإكسبو 2020، فضلا عن الأثر الراجع بعد انتهاء فعاليات المعرض، وهنا تكون الفرص متاحة ليطلع العالم على ما لدينا من إمكانيات، وما نتميز به من قدرات قد يجهلها البعض، لنفتح لأنفسنا آفاقا جديدة.

في تقديري أن الحالمين فقط هم الذين يتمنون، ولكن الناجحين هم من يعملون ويعملون بجد دون كلل أو ملل، وفي تقديري أن رؤية دبي لتنمية القطاع السياحي هي صورة من صور العمل الجاد، تدعمه إرادة سياسية تدرك تماما الإجابة على الأسئلة التالية: من نحن؟ وماذا نريد؟ وبماذا نتميز عن غيرنا؟ وعلى أي نحو نود أن يفكر فينا ويرانا الآخرون؟

لذا فإن وضوح الرؤية هو أولى بشائر النجاح، لأن أي عمل بدون رؤية يؤدي إلى حالة من التخبط التي تضيع الوقت والجهد والمال، ورؤية بدون عمل هي نوع من الأماني.. ورؤية دبي تجمع بين الرؤية والعمل، لذا فنجاحها محقق بإذن الله ثم بعزم المخلصين من أبناء هذا الوطن.