هل يمكن لشخص أن يتحدث بلا انقطاع لمدة 24 ساعة كاملة؟ الإجابة نعم، إذا كنت عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي! ففي ذلك المجلس، يمكن للعضو متى حصل على الكلمة، أن يتحدث بلا انقطاع، وليس من حق أحد أن ينتزع منه الكلمة إلا إذا جلس أو تخلى هو عن الكلمة أو توقف بنفسه عن الكلام.

 ويطلق على ذلك الإجراء اسم "فيليباستر"، وهي كملة إنجليزية مشتقة من الإسبانية "فيليباستيرو"، وتعني القرصان. وهي كانت تستخدم في ما سبق، للإشارة إلى ذلك الذي يغير بمفرده على دولة أجنبية. والإجراء المستخدم في مجلس الشيوخ الأمريكي قريب للغاية من ذلك المعنى، فعضو واحد في مجلس الشيوخ يستطيع بمفرده أن يختطف المجلس ويشل حركته..

والحقيقة أن فكرة ذلك الإجراء تضرب بجذورها في التاريخ، وترتبط بشكل مباشر بالغرض الذي أنشئ من أجله مجلس الشيوخ أصلا. فعند كتابة الدستور الأمريكي، دار صراع بين الولايات الكبيرة والصغيرة (من حيث عدد السكان)، حول طبيعة التمثيل السياسي في المجلس التشريعي المزمع إنشاؤه. فالولايات الكبيرة من مصلحتها أن يكون التمثيل السياسي نسبيا، أي أن تزداد مقاعد الولاية كلما ازداد عدد سكانها، وهو ما رفضته طبعا الولايات الصغيرة سكانيا، لأنها ستحصل بالضرورة على مقاعد أقل، مما يسهل معه الجور على مصالحها عند التصويت.

واشتد الصراع بين الطرفين حتى تم التوصل إلى حل توفيقي، تم بمقتضاه إنشاء هيئة تشريعية من مجلسين؛ مجلس النواب ويكون فيه التمثيل نسبيا بناء على عدد السكان، ومجلس الشيوخ الذي تمثل فيه كل ولاية بمقعدين، بغض النظر عن عدد سكانها.

نشأ مجلس الشيوخ، إذن، لحماية "الأقلية" العددية، وقد استلهم المجلس في كتابة قواعد العمل فيه روح الدستور، حيث باتت تلك القواعد تعطي حقوقا للأقلية العددية أو الحزبية - أكبر بكثير مما تعطي للأغلبية البسيطة.

ومن بين تلك القواعد قاعدة الفليباستر، فلأن مجلس الشيوخ هو أيضا المجلس الذي أنشأه الدستور ليكون ساحة للنقاشات العميقة، فلا يجوز وضع حد للمداولات. ومن ثم، لا يحق لأحد أن يضع قيدا على المدة التي يستغرقها العضو في نقاشه. ومن هنا، فإن العضو متى حصل على الكلمة، بإمكانه أن يتحدث كما يشاء، إلى أن يعطي هو الكلمة لأحد غيره أو يجلس.

ويستخدم الفليباستر من جانب المعارضين لما هو مطروح على المجلس، وقد طالت فعلا كلمات بعض الأعضاء فوصلت مثلا الكلمة التي ألقاها السناتور الراحل ستروم ثورموند ضد مشروع قانون الحقوق المدنية في الستينات، إلى 24 ساعة كاملة.

وقد استخدم الإجراء نفسه مؤخرا السيناتور راند بول، فتحدث 13 ساعة متواصلة، لتعطيل الموافقة على تعيين جون برينان مديرا لوكالة المخابرات المركزية، والذي ارتبط اسمه بانتهاكات للحريات المدنية.

ولا يمكن لأحد إسكات السيناتور إلا إذا وافق 60 عضوا من الأعضاء المائة على ذلك، وهي نسبة صعبة للغاية، لأن أقلية مكونة من 41 عضوا يمكنها تعطيل ما تريده أغلبية من 59. والحديث بلا انقطاع معناه ليس فقط تعطيل مشروع القانون أو قتله إذا لم تتوفر أغلبية 60%، وإنما شل مجلس الشيوخ بالكامل، إذ لا يستطيع الانتقال إلى موضوعات أخرى.

لكن الحديث من دون توقف هو واحد فقط من أشكال الفيليباستر، فهناك صور أخرى أقل شهرة ولكنها قاتلة بالدرجة نفسها. فلأن طرح أي مشروع على عموم المجلس لا بد أن يحظى بإجماع الأعضاء المائة، فإن عضوا واحدا يمكنه منع المشروع من الطرح أصلا، عبر إبلاغ زعيم الأغلبية عدم موافقته على طرحه على المجلس. ويستدعي عبور تلك العقبة، التصويت أيضا بأغلبية الثلثين، إلا أن أغلبية الثلثين ليست نهاية المطاف بالنسبة لمن يريد أن يقتل مشروع قانون أو يعطله.

فالقاعدة تقول إنه حتى لو استطاع الطرف الآخر أن يصل لأغلبية الثلثين، فإن صاحب الفيليباستر له ثلاثون ساعة نقاش بعد ذلك التصويت، وهو ما يعني أن مشروع القانون سيخضع للمزيد من التعطيل.

ورغم أن تلك القواعد العتيقة لمجلس الشيوخ ظلت موجودة ومستخدمة منذ البداية، إلا أن الجديد هو أن استخدام الفيليباستر صار أكثر تواترا من أي وقت مضى، بل وصار يستخدم في كل أعمال المجلس، بما في ذلك الموافقة على ترشيحات الرئيس للمناصب التنفيذية والقضائية.

فعلى سبيل المثال، كان الفيليباستر الذي استخدم ضد تعيين تشاك هاغل وزيرا للدفاع، هو الأول من نوعه بالنسبة لأي وزير دفاع في تاريخ الولايات المتحدة.. وفي عهد أوباما، تم إما قتل أو تعطيل العشرات من ترشيحاته للمناصب المختلفة، بسبب استخدام خصومه الجمهوريين للفيليباستر أو مجرد التهديد باستخدامه.

فعلى سبيل المثال، لم يتقدم أوباما بترشيح سوزان رايس لمنصب وزيرة الخارجية وكاتلين هاليغان لمنصب قاضية في محكمة استئناف فيدرالية، بعد أن هدد الجمهوريون باستخدام الفيليباستر ضد كل منهما.

أكثر من ذلك، كان الرئيس عند توليه في 2009 قد رشح 1132 شخصا لتولي مناصب تنفيذية وقضائية، وظلت 20% من تلك المناصب شاغرة قبل شهور من ولايته الثانية، لأن الجمهوريين عطلوا حتى عرضها في مجلس الشيوخ.

ورغم أن هناك محاولات تبذل طوال الوقت لإعادة النظر في قواعد مجلس الشيوخ، كان آخرها جهود بذلها زعيم الأغلبية الديمقراطي هاري ريد، إلا أن الإصلاح الحقيقي لا يحدث. صحيح أن الديمقراطيين غاضبون من أداء الجمهوريين، إلا أنهم يعرفون جيدا أنهم سيشغلون مقاعد الأقلية إن عاجلا أو آجلا، ومن ثم فلا مصلحة لهم في الحد من حقوق الأقلية في مجلس الشيوخ، وخصوصا الفيليباستر.