الحديث عن الإعلام كمنظومة تعمل في إطار باقي منظومات المجتمع، حديث له وجاهته وحجيته، وليس من باب نفض الأيادي من الأدوار والاستحقاقات الوطنية التي يجب أن يتحملها الجميع تجاه وطنه، والإلقاء بكامل المسؤولية عليه، ولكن لأن وسائل الإعلام أصبحت.
ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك، مؤثرة بشكل يتعاظم يوما بعد يوم في التفاعل مع مختلف المنظومات، سواء كانت المنظومة الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية، وسواء على المستوى الداخلي أو من خلال هذا الهدير الذي لا يتوقف من الرسائل الإعلامية عبر السماوات المفتوحة، والتي فرضتها طبيعة العصر، التي أزالت الحدود الإعلامية بين الدول بشكل بات الحديث معه عن السيادة الإعلامية للدولة جزءا من التراث، لا تعبيرا عن الواقع الذي لم يعد بمقدور أحد أن يتحكم أو يحد من فيض الرسائل الإعلامية المحيطة به، والتي تحاصر الفرد حتى الاختناق، بغثها وسمينها.
ولأن الأمم الحية، والتي تتمايز عن غيرها في منظومتها القيمية وإيقاع حياتها، وتحرص على الحفاظ على جوهر وجودها وما يميز أبناءها مع الانفتاح على كافة التيارات الفكرية والثقافية، وبعيدا عن التقوقع والانكفاء على الذات، تدرك دائما أن سر وجودها ومبعث قوتها في الحفاظ على هويتها؛ من هنا تأتي أهمية الملتقى الإعلامي الوطني الأول، الذي عقده المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة بعنوان "إعلامنا والهوية الوطنية"، من منطلق المسؤولية الاجتماعية، وتكريسا لدور مختلف المؤسسات الرسمية والأهلية، في طرح القضايا الوطنية، وإلقاء الضوء على أهمية أن يتحمل كل صاحب فكر ورأي مسؤوليته تجاه أبناء وطنه، في الحفاظ على السياج الجامع لهم، والدور المأمول من وسائل الإعلام في تعزيز الهوية الوطنية والثقافية لمجتمع الإمارات، في ظل التحديات التي تواجهه، وهي لا تتعلق بالجوانب التقنية بقدر ما تتعلق بالمضمون القادر على أن يحتفظ بمشاهديه، والعمل من خلال هدف كبير واضح، وهو تعزيز الخصوصية الثقافية لمجتمعنا.
ذلك أن المنظومة الإعلامية لا يمكن أن تعمل بمعزل عن المنظومة الثقافية للمجتمع، كما أن وسائل الإعلام هي المرآة التي ترى الشعوب وجهها الحضاري من خلالها؛ ومن أراد أن يتعرف على ما يشغل فكر شعب من الشعوب وما يفكر فيه، وكذلك ما يسوده من قيم، ما عليه إلا أن يتفحص ما يكتب ويذاع عبر وسائله الإعلامية، سواء كانت وسائل حكومية أو حتى في الأنظمة التجارية المغرقة في الرغبة في الربح، إلا أن بعد المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام في ممارستها، يظل شاخصا مهما كانت السياسة الإعلامية التي تنتهجها.
إن العمل في إطار تعزيز الهوية الوطنية، هو الذي يعطي التميز للرسالة الإعلامية، وما يربط الفرد بوسيلة إعلامية هو أن يرى نفسه وقضاياه وما يشغله من خلالها، وهو ما ينعكس على حالة الرضى بين وسائل الإعلام وبين أفراد المجتمع، كما أن مشاركة وسائل الإعلام في التعامل مع التحديات التي تواجه المجتمع، والقضايا الواجب علاجها، وتعظيم دورها في ذلك، هو ما يجعل المواطن ينظر إليها باعتباره مواطنا صالحا، ويعمق شعوره بأنها تسعى إلى ما فيه الخير له ولغيره، كأداة للتنوير وبث التوحد، لا معول هدم وبث للفرقة والانقسام؛ وعندما تغلّب وسائل الإعلام مصالح الوطن وصالح المواطن على بقية المصالح، تبني بذلك جدارا من الثقة بينها وبين أبنائه.
وفي تقديري أن هناك أدوارا أساسية يجب أن تتحملها وسائل الإعلام، لتساهم في تعزيز الهوية الوطنية بشكل متكامل ومتناسق مع باقي المؤسسات، منها تناول القضايا الحقيقية التي تهم المواطن وتشغل فكره، وتساهم معه في وضع الحلول الناجعة لها، مثل قضايا العنف والتنشئة الاجتماعية السليمة، والانحرافات السلوكية لدى بعض الشباب، والسلوكيات الغريبة عن مجتمعنا والتي تحتاج إلى تناولها بصدق وموضوعية ومهنية، عبر مشاركة مجتمعية تنكأ الجرح لتعرف كيف تصف العلاج.
إن تعزيز الهوية الوطنية لن يكون إلا بتعزيز الهوية الثقافية، والتي لا تكون بغير تمكين اللغة العربية باعتبارها الوعاء الحافظ لها، لأن اللغة هي الشفرة التي تميز المجتمعات بعضها عن بعض، ليس فقط في التواصل، ولكن في الإبداع والفكر، ولا يمكن أن يفهم معنى الوطنية بحق، من يدير ظهره للغته الأم أو يرى أنها تعيقه عن الإبداع والتقدم، بل إن أي أمة لم تحقق إنجازا قط على سلم الحضارة الإنسانية بعيدا عن لغتها الأم.
كما أن تعزيز الهوية الوطنية عبر وسائل الإعلام، لن يأتي إلا من خلال تقديم برامج بعيدة عن النسخ أو التعريب أو التقليد للبرامج الأجنبية، ولكن تقديم واقعنا الثقافي الثري والمتميز، من خلال إبداع وطني خالص، فضلا عن أعمال درامية كاشفة عن رحلة الجهد والعرق التي مر بها اتحادنا، وسيرة قادته، والمخلصين من أبنائه، من خلال رؤية حية يحفظها الأبناء، باعتبار أن الدراما هي الذاكرة المرئية لتاريخ الأمم، ومن خلال تحمل وسائل الإعلام لمسؤوليتها الاجتماعية، وأمانة الكلمة وخطورتها، ودورها في نشر الوعي بين أبناء الوطن بالتحديات التي تواجه مسيرته المظفرة، عبر غرس قيم الوفاء له، والذود عن كل حبة رمل من رماله، وبذل النفس والمال دونه، باعتبار ذلك أحد أهم وظائف الإعلام، بعيدا عن الإغراق في وظائف الترفيه على حساب باقي الوظائف.
إن تعزيز الهوية الوطنية يجب أن لا تعتبره وسائل الإعلام وظيفة موسمية، ترتبط بمناسبات وطنية ينشط فيها الحديث عن حب الوطن ثم تعود أدراجها، ولكن ينبغي أن تنبع من رؤية استراتيجية توضع الخطط البرامجية على أساسها، وتنطلق منها كافة القوالب والأشكال والبرامج، من خلال ربط المواطن بواقعه، وتحفيز الانتماء الوطني، وتحقيق الإنجازات، واستنفار الطاقات، وإلقاء الضوء على الكفاءات الوطنية، ورعاية الموهوبين، وتنمية التفكير المبدع في كافة المجالات، وتقديم النموذج والقدوة والمسؤولية والمهنية في التعاطي مع القضايا عبر تجارب واقعية، فضلا عن تعريف الأجيال بتاريخ وطنهم والوفاء لاتحاده وما بذل من أجله.. كل ذلك مع أهمية الانفتاح على كافة الثقافات، والاستفادة من علوم العصر ومعارفه الحضارية المتطورة، وأن نتعامل مع الغير على قدم المساواة، أخذا وعطاء.. عندئذ يكون إعلامنا بحق قد قام بالدور المأمول في تعزيز الهوية الوطنية.