آخر ما كنت أتصوره أن يكون رئيس الوزراء الياباني لا يتحدث اللغة الإنجليزية، فقد لاحظت، كما لاحظ كثيرون غيري، أن "شينزو آبي" الذي زار الإمارات والسعودية الأسبوع الماضي، كان يصطحب معه مترجماً ينقل كلامه من اللغة اليابانية إلى العربية، وينقل كلام المسؤولين العرب الذين قابلهم، من العربية إلى اليابانية!

توقفت عند هذا المشهد، وتساءلت: من المعقول ألا يتحدث رئيس وزراء اليابان اللغة العربية، ولكن هل يعقل ألا يتحدث رئيس وزراء الدولة التي تُعدّ واحدة من أكثر دول العالم تقدمًا اقتصادياً وتكنولوجياً اللغة الإنجليزية، في الوقت الذي يتحدثها أصغر عامل كافيتريا، مع الاحترام لكل المهن والوظائف والجنسيات؟

عدت إلى السيرة الذاتية لرئيس "الحزب الديمقراطي الليبرالي" الذي تولى رئاسة الوزراء في اليابان مرتين، فوجدت أنه تلقى دراسته الجامعية في "جامعة سيكه" اليابانية، و"جامعة جنوب كاليفورنيا" التي مقرها مدينة "لوس أنجلوس" الأميركية، حيث تعتبر الأولى في عدد الطلاب الأجانب من غير الأميركيين الملتحقين بها، والذين ينتمون لأكثر من 112 دولة.

ومن أشهر خريجيها "نيل آرمسترونغ" أول إنسان خطا على سطح القمر، والأديب والوزير السعودي الراحل الدكتور غازي القصيبي، والرئيس المصري الحالي الدكتور محمد مرسي.

يُفترَض إذن أن يكون رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" متحدثاً للغة الإنجليزية، بل مجيد لها، فلماذا اصطحب معه مترجماً، وهو يعلم أن جميع المسؤولين الذين سيقابلهم في الدول التي سيزورها يتحدثون الإنجليزية بطلاقة ويجيدونها؟ ولماذا اختار مترجماً يجيد اللغة العربية وليس الإنجليزية؟

لعل «شينزو آبي» الذي انتقل من سدة رئاسة الوزراء إلى صفوف المعارضة، ثم عاد إلى رئاسة الحكومة مرة أخرى، أراد أن يثبت لنا عملياً تمسكه بالشعار الذي رفعه عند عودته، وهو "بناء بلاد قوية ومزدهرة، يفتخر السكان فيها بالانتماء إلى الهوية اليابانية" التي أبرز عناصرها اللغة، باعتبار اللغة أهم سمات الهوية، وأكثرها دلالة على الانتماء للوطن والأمة، خاصة بعد أن عاد لرئاسة الوزارة في اليابان، طارحاً نفسه "منقذاً للبلاد".

اللغة اليابانية التي حرص رئيس الوزراء الياباني على التحدث بها في جميع لقاءاته، تستخدم ثلاثة أنواع من الحروف؛ أولها الرموز المستخدمة في الكتابة، ويعود أصلها إلى الصين حيث نشأت منذ آلاف السنين، رغم الاختلاف التام بين اللغتين.

تسمى هذه الرموز "كانجي"، ويبلغ عددها نحو 2000 حرف للاستخدام، يتعلم الأطفال اليابانيون منها نحو 1000 حرف في المدرسة الابتدائية، و1000 حرف أخرى في المدرسة الإعدادية.

وبالإضافة إلى "الكانجي"، تحتوي اللغة اليابانية على مجموعتين من الحروف الصوتية، هما "الهيراغاتا" و"الكاتا كانا"، وتتألف كل مجموعة من 46 حرفاً، وتُستخدَم "الكانجي" و"الهيراغاتا" في كتابة الكلمات اليابانية العادية، بينما تُخصَّص "الكاتا كانا" لكتابة الكلمات الدخيلة على اللغة اليابانية من اللغات الأخرى، وفي كتابة أسماء الأشخاص الأجانب، والأصوات، وأصوات الحيوانات!

تصوروا لغة يبلغ عدد حروفها أكثر من 2000 حرف، يصر أهلها على تدريسها لأبنائهم في الصفوف الابتدائية والإعدادية، ويدرِّسون أبناءهم بها الرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية والمواد كافة، وينتجون بها أحدث الأجهزة والمعدات الإلكترونية، ويمتلكون بها أكثر من نصف مجموع "الروبوتات" الموجودة في العالم، ويسجلون بها علاماتهم التجارية الأكثر شهرة في عالم السيارات والأجهزة الكهربائية والمعدات، مثل نيسان وتويوتا وسوزوكي وسوني وباناسونيك وفوجي وغيرها..

ويحققون بها طفرة اقتصادية جعلت من بلدهم واحداً من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، رغم زلزال وتسونامي "توهوكو" الذي ضربه عام 2011.

"اليابان أمة عظيمة، يمكننا أن نتعلم منها الكثير"، هكذا دوّن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، بعد استقبال سموه لرئيس الوزراء الياباني والوفد المرافق له الأسبوع الماضي.

ومن الدروس المهمة التي يجب أن نتعلمها من الأمة اليابانية، درس الاعتزاز باللغة الأم، واحترامها، وتقديمها على جميع لغات العالم، واستخدامها في المناسبات الرسمية وغير الرسمية، داخل الوطن وخارجه.

هذا هو ما أكده ويؤكده دائماً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، خاصة عندما أطلق سموه، قبل عام تقريباً، حزمة من المبادرات النوعية الهادفة إلى الحفاظ على اللغة العربية، وتعزيز مكانتها في المجتمع.

تلك المبادرات التي شملت ميثاقاً للغة العربية بهدف تعزيز استخدامها في الحياة العامة، ومجلساً استشارياً لتطبيق مبادئ الميثاق ورعاية كافة الجهود الهادفة لتعزيز اللغة العربية، إلى جانب مبادرات تتعلق بإحياء العربية لغةً للعلم والمعرفة، وإبراز المبدعين من الطلبة فيها، وإطلاق كلية للترجمة ومعهد لتعليم العربية لغير الناطقين بها، وتعزيز المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية.

هكذا يعرف الكبار قيمة اللغة ويقدرونها، ويصرون على استخدام لغاتهم الأم، مهما أجادوا من لغات أخرى غيرها.

ويبقى على غيرهم أن يعوا هذا ويدركوه جيداً، فلا يتفاخروا باستخدام لغات أجنبية، معتقدين أن استخدامهم لهذه اللغات دليل حضارة ورقي وتقدم، لأن الحضارة والرقي والتقدم لا تتحقق إلا بالعودة إلى الجذور والمحافظة على مكونات الهوية.

هكذا يعلمنا الكبار دائماً، ويضربون المثل والقدوة لنا، ويدعوننا للانضمام إلى ناديهم المحترم.