حتى لو لم تكن محباً للقطط، فإن من أول الأمور التي ستلاحظها في ما يتعلق بالصويرة، تلك البلدة المغربية التي تقبع على شاطئ البحر، وتعد مكاناً يؤثر كثيرون من المغاربة قضاء عطلاتهم فيه، ذلك العدد المثير للدهشة من القطط الذي تصادفه هناك. والصويرة أيضاً مكان أثير لدى أناس يحضرون إليها من مناطق بعيدة، لكي يهربوا من الحر الذي يجثم على معظم الأماكن في المغرب خلال أشهر الصيف.

ترى ما الذي يميز الصويرة بحيث تجتذب مثل هذا العدد الكبير من القطط؟ بعد أن عشت في العديد من المدن المغربية، مثل الدار البيضاء، تارودانت ومكناس ومنتجعات أثيرة مطلة على البحر مثل طنجة، والتي تعد كلها أكثر نضجاً من الصويرة، فإنني أتساءل: ما الذي تتسم به هذه البلدة المطلة على شاطئ البحر، والتي لا يوجد فيها إلا القليل مما يمكن أن يعد فريداً، بحيث تجتذب هذه الأعداد الكبيرة من السياح من مختلف أرجاء العالم؟

لدى قراءة شيء عن الصويرة في دليل للسياح عن المغرب، أدهشني أن أبناء هذه البلدة يعتزون كثيرا بأن الثقافتين الإسلامية واليهودية قد تعايشتا جنباً إلى جنب فيها على امتداد قرون عدة. ولم يكن هذا مفاجأة كبرى بالنسبة لي، حيث إنني خلال سنوات الحرب العالمية الأولى عندما كنت أعمل في القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية، ربطتني أواصر الصداقة بمغربي اكتشفت لاحقاً أنه يهودي، وقد أشرت إلى ذلك في كتابي الذي يحمل عنوان "ذكريات في الترجمة"، الذي نشرته مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة عام 2006، وترجمه كامل يوسف حسين إلى اللغة العربية، ونشرته دار الجربوع الدبوية في طبعة شملت صوراً لي في مختلف مراحل حياتي.

 وبالمناسبة فإن هذا الكتاب يضم بين دفتيه مقدمة موجزة، كتبها الروائي العربي الراحل نجيب محفوظ، حيث كنت أول من ترجم له ونشر ترجمة بالإنجليزية لإحدى قصصه، في أوائل الأربعينات من القرن الماضي.

يعود تاريخ الصويرة إلى عهود الفينيقيين، الذين استخدموا المدينة كمحطة توقف في طريق ترحالهم على امتداد الساحل، فيما هم يتجهون جنوباً نحو خط الاستواء. وتشتهر بشكل خاص، باعتبارها المكان الذي اختاره أورسون ويلز كموقع لتصوير صياغته الخاصة لمسرحية شكسبير الشهيرة "عطيل". وهناك تمثال حجري يشمخ في أحد ميادين البلدة، أطلق عليه اسم أورسون ويلز.

وعلى امتداد قرون عدة، تطلع الإسبان والبرتغاليون الذين كانوا جيراناً قريبين من المغرب، إلى الصويرة، ولا تزال الأسوار السميكة للبلدة، تحتفظ بالمدافع الثقيلة التي كانت تستخدم في حمايتها في تلك العهود البعيدة.

وأتذكر أنني قد ألهمني مشهد قطة جثمت على أحد هذه المدافع، فسألت أشهر فناني البلدة، وهو الفنان الراحل روجيرو جيانجياكومي، عما إذا كان على استعداد لأن يؤلف كتاباً قصيراً موجهاً للصغار تنعقد البطولة فيه لإحدى قطط المدينة، وقد قام بذلك بسرعة مدهشة، بل وأنجز بعض رسومه الإيضاحية المميزة لهذا الكتاب، بما في ذلك لوحة له بريشته وهو يمسك بصورة لقطة كان قد أنجزها لتوه. لكن المرض لم يمهله طويلًا، فلازم فراش المرض ثم رحل عن عالمنا.

وتشتهر الصويرة بأنها المكان الذي نشأت فيه طائفة الغناوة وازدهرت، وأبناء هذه الطريقة لهم عاداتهم الخاصة، وموسيقاهم الغريبة التي يبدو أنها تتمتع بالقدرة على إفقاد المرء وعيه والانتقال به إلى حالة غريبة، تتركه يبدو كما لو كان معلقاً بين السماء والأرض.

ويقال إن كلمة "غناوة" هي تحريف لكلمة غينيا، لأنهم كانوا أصلاً عبيداً جلبوا من ذلك البلد. وكانوا في بعض الأحيان يدعون بطائفة الشيطان، بسبب التصرفات الوثنية الموجودة في طقوسهم وعاداتهم. ولتخليص معتقداتهم من شبهة أنهم ليسوا مسلمين، نسبوا أنفسهم إلى الصحابي الجليل بلال بن رباح، أول مؤذن في الإسلام.

وأنهي هذه المقالة بشيء إضافي عن المئات من القطط في هذه المدينة، وهي ترتاد المقاهي العديدة التي تشتهر بها المدينة ويعنى بها السكان. وقد كان من المحتم بالنسبة لي، لدى تناولي طعامي في أحد المقاهي، أن أسمح لبعض الأسماك الموجودة في طبقي، بأن تشق طريقها إلى أفواه القطط القابعة قبالة مائدتي، والتي تنظر إلي في توقع صامت.