قبل أن يذهب الرئيس المصري محمد مرسي لاحتفال عيد العمال قبل أيام، فاجأ الرأي العام بإرسال "تغريدة" على موقع "تويتر" يعلن فيها أنه يريد أن يواصل ما بدأه الزعيم عبد الناصر ومعه أبو الصناعة المصرية عزيز صدقي في بناء صناعة وطنية قوية!!

في الاحتفال الذي أقيم بإحدى القلاع الصناعية التي بناها عبد الناصر وهو شركة الحديد والصلب، كرر الرئيس المصري ما قاله على "تويتر" ورغم أن الحضور كان قد تم انتقاؤهم بعناية من بين عمال الشركة.

فقد كان ذكر اسم عبد الناصر كفيلاً بانطلاق عاصفة من التصفيق، وعاصفة أخرى من البحث عن أسباب هذا التحول في موقف الرئيس الإخواني الذي بدأ عهده بخطابه الشهير الذي تحدث فيه عن الستينات "وما أدراك ما الستينات!!" في إشارة إلى الصدام بين عبد الناصر والإخوان.

في تفسير هذا التحول، قال البعض إن الرجل كان يعرف أنه ذاهب للعمال في إحدى القلاع الصناعية التي بنيت في الستينات، وكان يعرف أنه لا يملك شيئاً يقدمه للعمال في هذه المناسبة.

فالأوضاع الاقتصادية تسوء، والمخاوف لدى ملايين العمال (كغيرهم من فئات الشعب) تتزايد من برامج اقتصادية تلغي الدعم وترفع الأسعار، وأيضاً من مشروعات يخشى البعض أن تنتهي بكارثة اقتصادية أو بتهديد مرافق استراتيجية مثل قناة السويس.

في مثل هذه الظروف، يفسر البعض حديث الرئيس المصري الإيجابي عن عبد الناصر، بأنه محاولة لتبديد المخاوف، وربما تذكيراً للملايين من العمال وغيرهم بأن عليهم أن يتحملوا الأعباء كما تحملوها في الستينات. وهو قياس مع الفارق، ومقارنة لا مكان لها في الواقع، فالقصة لم تكن بناء مصنع أو مئات المصانع، بل كانت مشروعاً وطنياً متكاملاً لم يخترعه عبد الناصر.

وإنما كان حصيلة لحركة وطنية مصرية ناضلت عشرات السنين من أجل الاستقلال وجلاء المحتل الأجنبي، ومن أجل بناء الدولة الحديثة وتأكيد هويتها العربية ودورها الإفريقي وعلاقاتها بعالمها الإسلامي وانفتاحها علي العالم.

لم يكن الأمر بناء مصنع أو مدرسة أو جامعة فقط، كان بناء الدولة التي ناضلت مصر طويلاً من أجلها، وجاء الوقت لتتحقق مع رؤية واضحة وشعب عرف طريقه وقيادة بحجم عبد الناصر. ولا شك أن ما حققته مصر في هذه المرحلة كان استثنائياً. طهرت مصر أراضيها من الاحتلال الذي جثم على صدرها أكثر من سبعين عاماً. استردت قناة السويس.

بنت السد العالي وقلاع الصناعة. انتصرت في حرب السويس ففتحت أبواب التحرير للعالم العربي. تزعمت دول افريقيا وقادت تيار عدم الانحياز. وحققت العدالة الاجتماعية كما لم تتحقق لمصر من قبل أو من بعد. بنت طبقة وسطى قادت النهوض والتقدم. وحتى عندما انكسرت في 67 نهضت من كبوتها، وبنت جيش المليون مقاتل، وثأرت من هزيمتها.

وعبر كل هذا النضال الطويل كان هناك إدراك كامل بحقيقة أساسية، وهي أنه لا تقدم حقيقي إلا في ظل استقلال الإرادة الوطنية، ولا معنى للاستقلال إلا إذا تمت ترجمته إلى عدالة اجتماعية تنصف الفقراء مما عانوه من ظلم طويل.

ولا طريق للنهضة إلا باحترام العلم والعمل والانتصار على الفكر المتخلف وإطلاق طاقات الإبداع في كل المجالات. ولا استقرار أو تنمية إلا في دولة تسودها قيم المواطنة وتختفي فيها دعوات الفتنة الطائفية، وتنال المرأة كل حقوقها قبل أن تنالها نصف دول أوروبا في ذلك الوقت.

هكذا كانت مصر الستينات (وما أدراك ما الستينات).. كانت تبني السد العالي وقلاع الصناعة مثل مصنع الحديد والصلب الرائد يومها كجزء من مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة والمستقلة فعلاً لا قولاً.

كانت مصر - ومازالت- في حاجة لاستكمال هذا المشروع وتحديثه. لكن ما حدث بعد الثورة وتحت حكم الإخوان كان كارثياً. لم يكن فقظ عداءً لهذا المشروع الوطني، بل كان هدماً لأركانه الأساسية، واستكمالاً للانقلاب عليه والذي بدأ قبل سنوات، وقاد مصر إلى أزمتها، وقاد النظام السابق إلى مصيره!!

وهل كان يمكن أن يكون لما تحقق في الستينات أي معنى لو كان الأزهر الشريف والكنيسة الوطنية قد تعرضا للحرب التي يواجهانها الآن من عصابات التطرف، ومن أهواء حكم لا يدرك أن الوحدة الوطنية هي خط الدفاع الأول عن أمن مصر وسلامتها؟

كان الأمل ولا يزال أن تجدد مصر بعد ثورة يناير مشروعها الوطني الذي خطت فيه خطوات هامة تحت قيادة عبد الناصر قبل أن يتم الانقلاب عليه، لكنها للأسف الشديد- تسير تحت حكم الإخوان في الاتجاه المعاكس.. مشروع "التمكين" ينسف مؤسسات الدولة. سياسة "الأخونة" تستبعد الكفاءات وتخنق الإبداع. الحكم في صراع مع الجميع وفي حرب ضد القضاء والإعلام والجيش. الاستقلال السياسي يضيع، والديون تفرض التبعية، والفقراء يعيشون محنة حقيقية، والاقتصاد يديره السماسرة وتجار العملة، والفوضى على الأبواب.

كان هذا ما تحقق في الستينات "وما أدراك ما الستينات" وهو أبعد الأشياء عن التحقق الآن في ظل حكم لا يستهدف إلا تمكين "الجماعة" وتكفير باقي المواطنين، وإغراق الوطن في الفوضى والديون والتبعية.

لكن الأمل يبقى أن يستعيد الشعب ثورته، وأن يوقف المسيرة نحو انهيار الدولة و"تمكين" الإرهاب. وأن يكون له مشروع وطني جديد يصلح ما فسد ويعيد مصر إلى دورها ومكانتها. أن يكون هناك زعيم يتحدث فيصدقه الناس، وملايين من العمال والفلاحين يقدمون كل جهدهم ويصنعون المعجزات في أصعب الظروف.

وآلاف العلماء والمبدعين والمفكرين يقودون المسيرة ويرفضون إغراءات دول العالم الكبرى لأنهم يريدون شرف المشاركة في بناء تقدم الوطن، ورجل مثل عزيز صدقي رحمه الله يشرف على إقامة الصناعة الوطنية ويقود العمل الجبار في سبيل ذلك، يركب سيارة مصرية صغيرة، ويتقاضى 200 جنيه في الشهر بعد خصم الضرائب، ويبيع كل عام كما قال لي يوماً- جزءاً من أرض زراعية ورثها لكي ينفق على الاحتياجات الضرورية لأسرته. إنها الستينات.. وما أدراك!!