تدور منذ بداية شهر مارس الماضي في الأرجنتين، محاكمة تاريخية من شأنها أن تكشف النقاب عن وقائع مرحلة حالكة السواد في تاريخ أميركا اللاتينية.

فهي أول محاكمة في التاريخ تتناول ما صار يعرف باسم "العملية كوندور"، التي راح ضحيتها مئات الآلاف من أبناء القارة، سواء بالقتل أو التعذيب أو الاختطاف والاختفاء القسري.

و"العملية كوندور" هو الاسم الذي أطلق على إرهاب الدولة، الذي تحالفت على تنفيذه ست دكتاتوريات يمينية في أميركا اللاتينية، واستمر من منتصف السبعينات وحتى أوائل التسعينات.

فقد اتفقت حكومات تشيلي والأرجنتين والبرازيل وأورغواي وباراغواي وبوليفيا فيما بينها في ذلك الوقت، من أجل أن القضاء على معارضيها عبر ملاحقتهم أينما كانوا، من خلال التنسيق الاستخباراتي والأمني فيما بينهم.

وقد انضمت كل من الإكوادور وبيرو لاحقا لتلك الدول الست. ورغم أن أعداد الضحايا لا تزال تختلف من مصدر لآخر، إلا أن أغلب التقارير تشير إلى وفاة ما يقرب من 50 ألف معارض من أبناء تلك الدول، واختفاء 30 ألفا آخرين، فضلاً عن سجن 400 ألف وتعذيبهم.

ورغم أن تلك الحكومات ظلت تزعم أنها لا تلاحق إلا حركات المعارضة "الشيوعية المسلحة"، إلا أن الملاحقة طالت الآلاف من المنتمين للاتحادات العمالية وأساتذة الجامعات والطلاب والصحفيين، "وكل من كان يمكن اعتباره معارضاً سياسياً" على حد تعبير صحيفة الإندبندنت الأرجنتينية.

وقد نفذت تلك الدكتاتوريات "العملية كوندور" بعلم ودعم مادي وسياسي كامل من الولايات المتحدة الأميركية، وتحديدا من المخابرات المركزية الأميركية، ومن هنري كيسنجر حين كان وزيرا للخارجية.

وقد ظلت تلك الجرائم في طي الكتمان، تعرفها الشعوب ولا تملك أدلة بشأنها، إلى أن بدأت الخيوط تتجمع للمرة الأولى في عام 1992، حين ذهب أحد الضحايا من باراغواي إلى قسم شرطة للبحث عن ملفه، فوجد آلاف الملفات لمن قتلوا واختفوا في ما عرف لاحقاً باسم "أرشيف الرعب".

ثم تم اكتشاف وثائق أخرى عام 1998 بعد وفاة دكتاتور تشيلي أوغستو بينوشيه، الذي كان صاحب فكرة العملية ومهندسها الرئيسي. وقد تم لاحقاً الإفراج عن وثائق أخرى أميركية، حين طلبتها منظمات حقوق الإنسان وفق قانون حرية المعلومات الأميركي.

ورغم أن بعض المحاكمات التي جرت في إسبانيا وإيطاليا بشأن جرائم ارتكبت ضد الإنسانية، كانت قد ألقت الضوء على بعض الجرائم التي ارتكبت في "العملية كوندور"، إلا أن محاكمة الأرجنتين تظل الأولى من نوعها، من حيث شمولية التناول للجرائم التي ارتكبت في تلك الفترة وكانت الأرجنتين في القلب منها.

فالأرجنتين، أكثر من أي بلد آخر من البلدان الستة، شهدت الأعداد الأكبر من حالات الاختفاء والقتل.

فهي كانت آخر الدول الست وقوعاً في براثن الدكتاتورية عام 1976، ومن ثم لجأ إليها الكثير من الفارين من الدكتاتوريات الأخرى في القارة، هرباً من القتل والترويع في بلادهم، لكن الانقلاب العسكري الذي قاده رافائيل فيديلا في الأرجنتين، كان معناه القضاء على كل هؤلاء اللاجئين.

ومحاكمة الأرجنتين تنظر في أمر 25 متهماً كلهم من العسكريين السابقين في الأرجنتين، وعسكري واحد من أورغواي.

وسوف تستمع المحكمة إلى ما يقرب من خمسمائة شاهد، منهم ضحايا نجوا من الموت أو قضوا، وهم ينتمون لكل من الأورغواي والأرجنتين وتشيلي وباراغواي وبوليفيا والإكوادور وبيرو. وقد طلبت المحكمة الأرجنتينية من الحكومة الأميركية الاستماع لشهادة هنري كيسنجر، إلا أن إدارة أوباما تجاهلت الأمر برمته ولم ترسل رداً للمحكمة حتى تاريخه.

وتلك ليست المرة الأولى التي يستدعى فيها كيسنجر "للشهادة" في الخارج بشأن جرائم ضد الإنسانية، إلا أن الرجل تبنى دوماً الإنكار الكامل لأي معرفة بأي من تلك الجرائم، رغم أن وثائق كثيرة اليوم تؤكد دوره، وليس فقط علمه بالأحداث.

والمغزى التاريخي للمحاكمة لا يتوقف عند حد تحقيق العدل وإعادة الحق، حتى للذين قضوا واختفوا ولو بعد عقود طويلة.

فالمحاكمة من شأنها، في سبيل تحقيق العدل، أن تكشف عن حجم الجرائم المروعة التي ارتكبت في تلك الفترة، التي لا يزال الكثير مما جرى فيها لم يكتبه التاريخ.

غير أن ما لا يقل أهمية عن كل ذلك، هو أن شعوب أميركا اللاتينية التي عانت طويلاً من القهر والاستغلال، صارت لديها للمرة الأولى فرصة حقيقية لطي صفحة الماضي بشكل صحي، يدفعها للنهوض.

فطي صفحة مظلمة من تاريخ شعب ما، يستحيل أن تؤدي إلى نفض غبار الماضي الأليم، ما لم تتم المصارحة التفصيلية بشأن ما جرى. فالأمم التي لا تواجه الصفحات السوداء في تاريخها بالمصارحة وتحقيق العدل، غالبا ما تشهد صفحات أسود منها لاحقاً.

ومن بين قراءات كثيرة بخصوص "العملية كوندور"، فإن أكثر ما أثار اهتمامي كان ما قاله جون دينجز أستاذ الإعلام الأميركي في جامعة كولومبيا وصاحب كتاب "العملية كوندور"، تعليقاً على المحاكمة. فهو قال "كنت أكتب الفصل الأول من الكتاب حين وقعت أحداث سبتمبر 2001، وقد أنهيت الكتاب بإشارة لتلك الأحداث، وعقدت مقارنة بين "الحرب على الإرهاب" التي تبنيناها في السبعينات (يقصد كوندور) والحرب على الإرهاب التي شنها بوش الابن..".

تأملت ما قاله البروفيسور دينجز، وسألت نفسي هل يمكن للولايات المتحدة أن تواجه هي الأخرى تاريخها بالمصارحة؟