يعد التعليم الجامعي الرافد الأساسي الذي يمد سوق العمل المحلي بحاجته من الأيدي العاملة الماهرة والمؤهلة تأهيلًا كبيراً لسد احتياجات سوق العمل المحلي.
ولا يخفي على أحد ما مر به التعليم الجامعي خلال العقود الماضية من تقييم وتقويم ليصبح مواكباً لما تمر به الإمارات من متغيرات وتطورات أفرزت الكثير من الإيجابيات. فقد كان التعليم العالي رافداً مهماً مد سوق العمل بحاجته من الأيدي العاملة المواطنة.
تقويم وتقييم التعليم العالي لا يزال يحتل مرتبة متقدمة ليس فقط في أولويات الحكومة الاتحادية بل وأولويات الشباب، حيث إن التعليم الجيد ينتج مستقبلًا جيداً ومضموناً لكل شاب طامح في التنافس في سوق العمل. لذا سوف يظل التعليم الجيد حلماً يداعب الجميع، خاصة الشباب التواقين إلى مستقبل مهني لا يربط فقط التعليم بحاجات سوق العمل بل يربطه باحتياجات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية أيضاً.
وعلى الرغم من تلك الموارد المالية الهائلة والجهود الكبيرة التي خصصت للتعليم الجامعي على مر العقود الماضية الا أنه يبدو أن هناك حلقة مفقودة بين من يخطط لذلك التعليم وبين الميدان، لأن جودة التعليم المقدم وأنماطه ما زالت على المحك.
كما أن هناك هدفاً أساسياً من أهداف التعليم يجب أن لا يهمل ألا وهو غرس قيم الولاء والانتماء والوطنية وغيرها من القيم الاجتماعية لكي يكون التعليم فعلًا رافداً أساسياً من روافد التنمية المجتمعية المستدامة.
جودة التعليم تعتمد على أساسيات رئيسة، ألا وهي جودة البيئة التعليمية وجودة المدرس وجودة الكتاب المدرسي وغيرها من الأساسيات التي تعمل معاً على إنتاج تعليم جيد يساهم في نهضة الوطن والمواطن.
هذه الأساسيات ما زالت غير مكتملة. فعلى الرغم من وجود البيئة التعليمية المتميزة من ناحية توافر المباني الراقية والأدوات العلمية المتطورة الا أن ذلك لا يعني وجود بيئة تعليمية محفزة أو منهج تعليمي جيد.
فالتخبط في المناهج وفي اللغة المستخدمة في التعليم أدت إلى إنتاج تعليم مهجن لا يوائم البيئة المحلية ولا يتطابق مع أساسيات التعليم العالمي.
فاللغة هي جوهر الهوية وإذا تم تجاهل اللغة الأم تم تجاهل الهوية الوطنية أيضاً. من ناحية أخرى إذا ما أخذنا في الاعتبار بأن الهدف الأساسي من التعليم هو تهيئة الشباب وتأهيلهم بالأدوات اللازمة لشق طريقهم مسلحين بمهارات معينة تمكنهم من المنافسة في سوق العمل أدركنا لماذا يمثل التعليم الجيد هاجساً كبيراً للشباب.
فلا يزال طابور الشباب حديثي التخرج يطول كل يوم، ولا يزال الشباب مدركين بأن أمامهم عقبات حقيقية تتمثل في المنافسة في سوق العمل والتأهيل اللازم ومتطلبات اللغة الأجنبية وغيرها من العقبات التي يراها البعض مفتعلة ويراها آخرون عقبات حقيقية يجب تخطيها لكي يصبح الشاب قادراً على خوض المجال المهني والمنافسة في سوق العمل بكل كفاءة وإتقان.
وعلى الرغم من ذلك الاهتمام اللامتناهي الذي تبديه الدولة لملف التعليم إلا أن ذلك الملف لا يزال يحمل الكثير من تبعات العقود الماضية وتخبطاتها والمتغيرات التي طالتها عن قصد وتخطيط أحياناً وأحياناً كثيرة من دون قصد أو حتى تخطيط.
فمعالجة هذا الملف يحتاج إلى اهتمام كبير ودقيق من قبل مختصين مدركين لحجم المشكلة وتبعاتها على الوطن والمواطن، وهما العنصران المهمان في القضية. فالتنمية المستدامة التي نهدف لها لا يمكن تحقيقها من دون الاهتمام بجميع جوانب تلك العملية التعليمية وربطها ببعضها البعض.
الاعتماد الهائل على خبرات أجنبية غير مدركة لطبيعة واقعنا المحلي واحتياجاته الفعلية أدت إلى نتائج غير مرغوب فيها كثيرة. فقد قامت تلك الخبرات الأجنبية باستيراد واقع غريب عن واقعنا بل أحياناً لا يمت إلى واقعنا المحلي بصلة فأصبح التعليم العالي حقل تجارب أفرزت العديد من السلبيات.
ناحية أخرى مهمة آلا وهي طبيعة النظم التعليمية المتبعة. فعلى الرغم من حداثة بعض النظم التعليمية المتبعة الا أن بعضها كان يصطدم في الكثير من الأحيان بالبيروقراطية وبعض الأساليب غير المرنة التي تجعل تلك النظم غير قابلة على أداء عملها بالطريقة التي صممت لها، الأمر الذي أدى إلى ظهور الكثير من السلبيات.
إن التعليم العالي يعد الحلقة المهمة المؤثرة في البناء الفكري والحضاري للأمم والمجتمعات. ومن دون الاهتمام الكافي والدقيق بنوعية هذا التعليم ينتج عنه واقعاً غير مرغوب فيه. فالعمل على إعداد جيل واعٍ لواجباته الوطنية وجيل مدرك لحجم التحديات التي يتعرض لها مجتمعه، خاصة فيما يتعلق بالتطورات الفكرية والتحديات الحضارية لذلك المجتمع، هي قضية مهمة يجب الالتفات لها قبل فوات الأوان.
فالتخبط في السياسات التعليمية والإهمال المتعمد للغة العربية وإهمال القيم الاجتماعية والوطنية، وغيرها من الممارسات تعمل على إنتاج ثقافة هجينة لدى الشباب لا تساهم في تدعيم القيم التي يهدف لها المجتمع عموماً. إن إعطاء هذا الملف الاهتمام الذي يستحقه هي قضية في غاية الأهمية حتى يمكن اعتبار التعليم رافداً مهماً من روافد التنمية المستدامة.