لم يكن مستغربا، الأسبوع الماضي، أن يعطل مجلس النواب الأميركي مشروع قانون الأجور العادلة، الذي يضمن حق المرأة في أجر مساو للرجل مقابل القيام بالوظيفة نفسها. فكفاح المرأة في أميركا من أجل الحصول على حقوقها، لا يزال يتعرض لنكسات لن يكون تعطيل مرور ذلك القانون آخرها.
قد لا يعرف الكثيرون أن الدستور الأميركي لم ينص بالنسبة لحقوق المرأة، سوى على حقها في التصويت، وهو النص الذي قُدم عام 1878، واستغرق أربعة عقود حتى تم التصديق عليه والعمل به عام 1920.
وقد جاء ذلك التعديل للدستور تتويجا لكفاح المرأة لعقود طويلة، فالمرأة الأميركية كانت شريكا رئيسيا في الحركة المناهضة للعبودية، لما وجدته من تشابه وقتها بين أوضاعها وأوضاع العبيد. لكن الدستور الأميركي ألغى العبودية بعد الحرب الأهلية، وأعطى الأميركيين من أصول إفريقية الحق في التصويت، وتجاهل المرأة.
وقتها أدركت النساء اللائي شاركن في حركة مناهضة العبودية، أنهن في حاجة لحركة نسوية مستقلة، فانعقد أول مؤتمر للحركة النسوية عام 1848 وناقش حق المرأة في التصويت، وكان أول إنجازات الحركة هو ذلك التعديل الدستوري.
وبمجرد أن بدأ العمل بذلك التعديل، انشغلت الحركة النسوية الأميركية بالسعي لتمرير تعديل دستوري آخر، ينص على أنه "يحظر على حكومة الولايات المتحدة وحكومات الولايات، أن تعتدى على الحقوق المتساوية على أساس الجنس".
وقد تم تقديم ذلك التعديل إلى الكونغرس عام 1923، وفي كل عام بعد ذلك لمدة عقدين كاملين بلا جدوى، حيث ظل التعديل حبيس أدراج اللجان النوعية، التي لم ترفعه أبدا لعموم المجلس للتصويت عليه. وقد ظل الحال كذلك حتى رفع التعديل لعموم المجلسين عام 1946، فرفضه مجلس الشيوخ.
وقد ظل التعديل يقابل بالرفض لحوالي ثلاثين سنة أخرى، إلى أن وافق عليه الكونغرس بمجلسيه عام 1972. إلا أن موافقة الكونغرس ليست إلا الخطوة الأولى نحو تعديل الدستور الأميركي، إذ يلزم بعدها تصديق ثمان وثلاثين ولاية من الولايات الخمسين، حتى يصبح التعديل جزءا من الدستور الأميركي.
وقد ظل الكفاح من أجل الحصول على تصديق الولايات قائما طوال المدة المحددة للتصديق، والتي انتهت في 1982 بالهزيمة، حيث صدقت عليه 35 ولاية فقط من 38.. وانتهى أمر التعديل.
ورغم أن تلك الهزيمة مثلت نكسة مريرة للمرأة الأميركية، إلا أن الحركة النسوية حققت سلسلة من الإنجازات طوال الأعوام اللاحقة عبر القضاء الأميركي، خصوصا في السبعينات والثمانينات، حين كان التوازن داخل المحكمة العليا يميل لصالح الليبراليين.
لكن بتولي كل من ريغان وبوش الأب، لمدة اثني عشر عاما متتالية، تغير توازن المحكمة بفضل تعييناتهما، حتى صارت تميل نحو اليمين. غير أن العقود الثلاثة من التسعينات التي ازداد فيها المد اليميني في الولايات المتحدة، قد أثرت على حقوق الأقليات وحقوق المرأة على السواء. وقد عادت إلى ساحة الجدل العام قضايا كانت قد حسمت في الستينات والسبعينات، مثل قضية تنظيم الأسرة، والعقاقير المتعلقة بها.
وتأثر الخطاب السياسي أيضا بتلك الموجة اليمينية، حتى وصلت إلى مستويات غير مسبوقة أثناء الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، حيث استخدم فيها المرشحون الجمهوريون لغة صادمة، أدت إلى تصويت المرأة بأغلبية ساحقة للديمقراطيين.
وفي هذا الإطار نفسه، يأتي مشروع قانون الأجور العادلة، الذي يواجه مصيرا غامضا حتى الآن. فقد يفاجأ البعض بأن المرأة الأميركية، وفق الإحصاءات الحكومية الرسمية، لا تحصل على الأجر نفسه الذي يحصل عليه الرجل عند القيام بالوظيفة نفسها.
فمقابل كل دولار يحصل عليه الرجل، تحصل المرأة على 77 سنتا فقط. وتزداد فجوة الأجور إذا كانت المرأة تنتمى للأقليات، حيث يتدنى ما تحصل عليه إلى 55 سنتا. وحتى في الوظائف العليا التي تحتاج لمؤهلات معتبرة، تصل الفجوة بين مرتب الرجل ومرتب المرأة إلى 150 ألف دولار سنويا في المتوسط.
ويحدث ذلك، رغم وجود قانون يسمى قانون "الأجور المتساوية" كان قد وقع عليه الرئيس كينيدي عام 1963، ثم أدت الثغرات إلى تفريغه من محتواه.
وفي عام 2009 صدر قانون عرف شعبيا باسم "ليللي لدبتر"، نسبة إلى سيدة كانت تعمل في مؤسسة تحظر على العاملين الإفصاح عن أجورهم لبعضهم البعض، وهو الأمر الذي نتج عنه أن ليللي ظلت لا تعرف بالتمييز الذي تتعرض له في الأجر حتى قاربت على التقاعد.
وحين رفعت الأمر للقضاء حكمت المحكمة العليا بأن السيدة ليس من حقها أصلا رفع الأمر للقضاء، لأن قانون الحقوق المدنية ينص على مدة 180 يوما من تاريخ الحصول على الأجر، يتم خلالها التقاضى.
وقد جاء قانون 2009 ليعالج الأمر في صورة تعديل لقانون الحقوق المدنية، ينص على الحق في التقاضي في الوقت الذي يعرف فيه المتقاضي بالتمييز ضده.
أما مشروع قانون الأجر العادل، الذي يناقش في الكونغرس حتى الآن لدورتين متتاليتين، فهو ينقل العبء من الموظف إلى صاحب العمل، الذي سيكون عليه أن يثبت أن الفجوة بين أجر الرجل والمرأة اللذين يقومان بالعمل نفسه، سببها الكفاءة لا النوع.
لكن الجمهوريين في مجلس النواب عطلوا التصويت على مشروع القانون، الذي اعتبره أحدهم "مؤامرة ليبرالية لإحراج الحزب الجمهوري واتهامه بالعداء للمرأة"، بينما قال عنه آخر إنه "يشم فيه رائحة برنامج رفاهية اجتماعية جديد" مخصص هذه المرة للمرأة.
غير أن الدرس الأساسي للواقعة، هو أن كفاح الأميركيات من أجل العدل، مثله مثل كفاحات المرأة حول العالم، عملية مستمرة تحقق إنجازات وتتعرض لانتكاسات.. ولولا الإصرار على استكمال الطريق وقت الانتكاسات، لما تحققت الإنجازات.