يروى ابن الجوزي أنّ ثعلباً عض أعرابياً ، فذهب إلى مُعالج فسأله عمّ عضّه، فخجل أن يقول ثعلباً فعل به ذلك وأخبره بأنّه ذئب، وما أن وضع المعالج بعض المساحيق على الجرح وبدأ في قراءة رُقية عليه حتى ارتبك الأعرابي وخشي أن لا تنفع الرُقية لأنها للذئاب فقط، فرفع رأسه وقال للمعالج: " وأخلط بها شيئاً من رُقية الثعالب".
حال هذا الأعرابي يذكّرني بحال الرئيس الكوري كيم جونغ أون البالغ من العمر ثلاثين عاماً، فكل هذا التأجيج مع جيرانه الكوريين الجنوبيين ثم تهديد حليفتها الكبرى أميركا بأنّه سيقصف مدنها بالأسلحة النووية، ثم تخرج قائمة المدن المستهدفة بالأسماء .
والتي نافت عن خمس مدن رغم أن ترسانة كوريا الشمالية لا تحوي سوى قنبلتين اثنتين لا غير، ولكن يبدو أنّ فخامته يتناسى أن الولايات المتحدة تملك 9500 قنبلة نووية، كان أول إصدارين "بدائيين" منها كفيلاً بمحو مدينتي ناجازاكي وهيروشيما من الخارطة واستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية.
كانت الدنيا تنتظر زعيماً شاباً مثل كيم جونغ أون بعد سنين من الحكم الشمولي و العدائي لبيونغ يانغ على يد جدّه و والده من بعده، و الذين بسببهما أصبحت حالة كوريا الشمالية مزرية جداً، فهي تتذيّل دول العالم في مؤشر الفساد وتحتل المركز 149 في مؤشر السلام والتعايش مع الآخرين، و المركز 28 كأكثر الشعوب جوعاً.
حيث يشير تقرير لشبكة Asia Press أن عودة موجة الجوع لمنطقتي هوانجاي الشمالية والجنوبية دفعت البعض لأكل لحوم البشر، والمركز الأخير في حرية الصحافة حسب تقرير منظمة مراسلون بلا حدود.
وهناك 200 ألف معتقل سياسي، كما أنّ الإنترنت ممنوع تماماً وجميع القنوات التلفزيونية والإذاعية تسيطر عليها الحكومة، و كم هو طريف ذلك المقطع الموجود على اليوتيوب لبرنامج إخباري رسمي خلال كأس عالم 2010 عندما استقبل منتخب كوريا الشمالية 12 هدفاً و سجل هدفاً وحيداً ضد البرازيل، ولكن الخبر الرسمي جاء كالتالي : "فزنا على البرازيل 1/صفر في نهائي كأس العالم و أحرزنا البطولة".
انتظر العالم شاباً تعلّم في الغرب ويُفتَرض بأنه تطبّع بالفكر المستنير وتقبّل الرأي الآخر، لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح، فالرئيس الصغير أشعل فتيل التوتر بشكلٍ غير مسبوق وبطريقةٍ لن تزيد شعبه إلا سيلاً جديداً من العقوبات ومن البؤس والفقر.
ولو أننا تابعنا "ماذا تعلّم" و ليس "أين تعلّم" لربما لم نضع تلك الآمال عليه، فكيم جونغ أون ذهب للدراسة في سويسرا قرب مدينة بيرن تحت اسمٍ مستعار هو (تشول بارك) من 93 حتى 1998 ثم انتقل لمدرسة أخري قرب كونيز السويسرية تحت اسم (أون باك) و رغم أنّ زملاءه وصفوه بأنه شخص ودود وعاشق لكرة السلة إلا أنّ درجاته كانت سيئة للغاية في الرياضيات والفيزياء والانجليزية .
ورسب في العلوم مراراً ولم يفلح إلا في الموسيقى، فشخصية ضعيفة القدرات الفكرية كهذه لا يُتوَقّع منها أن تتحول بقدرة قادر إلى آينشتاين عندما تكبر، ولا يُنتَظَر ممن لا يستطيع مجاراة أقرانه الصغار في صفٍ مدرسي أن يقود أمّةً كاملة لمقارعة الكبار في محفلٍ عالمي.
كيم جونغ أون والذي لم تُنشَر له أيه صورة حتى عام 2010 والذي وضعت رسالة هائلة الحجم تبلغ نصف كيلو متر على مرتفعات ريانغانغ تقول :"لِيَطُل عُمُر الجنرال كيم جونغ أون، الشمس المشرقة " و يمكن رؤيتها بوضوح من السماء كتعزيز لذلك النقص الذي يشعر به كل دكتاتور، ربما وصل له المثل الفارسي القائل :
استخدم يد عدوّك لتُمسِكَ بالثعبان"، فالتهديد بضرب أمريكا نووياً قد يكون محاولة لوضع شروط تفاوضية أكثر مناسبةً لبيونغ يانغ مع جارتها اللدودة سيؤول وللحصول على أفضليات بتخفيف العقوبات إن جلست على طاولة مفاوضات مع الولايات المتحدة لنزع فتيل أزمة حرب محتملة و "غير مُرجّحة".
وقد تكون تعلّمت ذلك من "مياعة" الموقف الغربي من البرنامج النووي الإيراني ، فلا أمريكا تريد حرباً واستنزافاً جديداً بعد مأزقي أفغانستان والعراق، ولا اقتصاد جارتها الصين ينتظر "وصلة خطأ" قد تعصف بنموه وطموحه لتصدّر العالم، فخيار الحرب ضعيف للغاية و الراجح أن كوريا الشمالية تناور لشروط تفاوضية أفضل من جهة ولجمع الشعب البائس خلف قيادته من منطلق وجود تهديد خارجي خطير عليه تقوده عدوتاها اللدودتين : واشنطن وسيوؤل.
إن الناتج الإجمالي لكوريا الشمالية لا يجاوز الأربعين مليار دولار، يذهب ثُلُثُه للانفاق العسكري، ولو تم توجيه الجزء الأكبر من هذا الناتج الهزيل، والذي يقل بـ18 مرة عن جارتها كوريا الجنوبية، لتطوير مناجم المعادن لديها والتي تُقدّر قيمتها بستة تريلونات من الدولارات فربما لن يحتاج المحليون لأكل بعضهم البعض.
ولن يتم قطع الكهرباء كل ليلة، ولن يضطر الأطفال لشراء طاولاتهم وكراسيهم المدرسية بأنفسهم ولن يدفعوا أموالاً لضمان التدفئة في فصولهم الباردة، وربما يحتاج الطالب البليد إلى مستشارين ناصحين حوله علّه لن يحتاج بعدها للكذب بشأن عضة الثعلب.