قد لا يكون عنوان هذه المقالة ذا دلالة سياسية، رغم أن السياسة والخوض في بحارها وأحداثها تتحمل وتتقبل مختلف العناوين والطروحات، ومن ضمنها هذا العنوان، وذلك لسعة ساحاتها وعمق أغوارها.
إلا أن ما سوف نتطرق إليه حصراً في هذه السطور المحدودة، هو فرص الإنسان للعودة إلى آدميته، بعد أن تجاوز في حياته، أو في ردح زمني منها، حاجز القيم الإنسانية، وأوغل في سلوكيات ألحق من خلالها الكثير من الضرر المادي والمعنوي بأبناء شعبه، تحت ظروف ربما تم تبريرها بدوافع تتعلق بمتطلبات الأمن القومي أو الأمن الحزبي، أو بفعل قوة معتقد فرض إملاءاته، أو بفعل الإغراءات المالية، أو تحت التهديد..
أو غير ذلك من تبريرات وقع تحت سقف تأثيراتها. فهل تتاح له في أطر نظام سياسي جديد انبثق على أنقاض النظام الذي كان جزءاً منه، فسحة للعودة إلى آدميته التي فقدها في ظروف غاب أو تغيب فيها وعيه؟
أفرزت عقود من الحكم الشمولي في العراق وفي غيره من الدول العربية، ظاهرة لا مفر أمام الحكومات التي جاءت لاحقاً تحت شعارات ديمقراطية، من أن تعالج تداعياتها بروحية وعقلية تتفق مع القيم السائدة في الوقت الحاضر.
فقد صنعت تلك الأنظمة الشمولية مؤسسات أمنية ضخمة لحمايتها، وألحقت بها أجهزة ذات طابع قمعي تضم عدداً كبيراً من المختصين بالشؤون الأمنية المختلفة، مع طواقم مساعدة لإحصاء أنفاس مواطنيها وجمع المعلومات عنهم، وعمدت تلك الأنظمة إلى توريط أكبر عدد من الناس في أعمال هذه الأجهزة، التي عمد أفرادها إلى الاستعانة بمختلف الوسائل لمحاربة أعداء النظام القائم أو المشكوك في ولائهم له، ومارسوا خلال وجودهم فيها شتى أنواع الأعمال التي لا تنسجم مع القيم الإنسانية.
وتتعارض تماماً مع الشرائع الدينية والوضعية في التعامل مع الإنسان حتى لو كان عدواً. وتراكمت على مدى سنوات طويلة جرائم لا تحصى، وقعت ضحيتها أعداد كبيرة من المواطنين، وتشرد بسببها الكثيرون أيضاً، وخلقت تبعاً لذلك، بعد انهيار النظام، مبررات المطالبة بتطبيق العدالة والاقتصاص من هؤلاء، إنصافاً لمن ذاق مرارة ما قاموا به.
إن التعامل مع هكذا ظاهرة ليس بالأمر الهين، فالتصالح مع التاريخ والتسامح مع الذات موقف حضاري على المستويين الفردي والمجتمعي، وهو يتطلب شجاعة من نوع خاص، قد لا تتوافر لدى معظم الأفراد في ظل غياب ثقافة تخلو من الروح الانتقامية، وتسمح بمعالجة هذه الظاهرة في أطر قانونية فيها قدر من الرحابة، تتيح الفرصة لعودة أغلب هؤلاء الضالين إلى أحضان المجتمع.
الموضوع فيه الكثير من التعقيد في المجتمعات الشرقية، التي لا تزال عقول الكثير من أبنائها تحمل مخلفات التقاليد الريفية العشائرية، حيث يحتل الثأر والانتقام حيزاً كبيراً فيها. وقد لا تخلو عقول القائمين على شؤون الدولة من ذلك، وهو أمر جد خطير لأن الدولة كيان أكبر من العشيرة ومن القبيلة ومن الطائفة، لأن الجميع ينتسب إليها، وهي من هذا المنطلق لا يمكن أن تحمل نزعة الانتقام، الذي يكرس الفرقة المجتمعية ويعرض مفهوم الدولة نفسها للتساؤل.
قد لا يكون من الصواب وضع جميع المنخرطين في الأجهزة الأمنية في سلة واحدة، فهناك من مارس عمله مرغماً بحكم وظيفته فتسبب بقدر قليل من الأذى، وهناك من مارسه عن قناعة وبحماسة وتسبب في الكثير منه.
في عالم السياسة هنالك ثوابت وهناك متغيرات، أهم الثوابت على الإطلاق هي إدامة الوحدة المجتمعية، وهي مهمة لا يمكن أن تتحقق إلا بأطر قيم الدولة المدنية، التي تحتكم إلى القوانين.
وتفصل بين ما هو سياسي وما هو جنائي، وليس إلى الأعراف العشائرية التي تتمسك بما هو قديم من عادات وتقاليد، تقسم المجتمع إلى إقطاعيات الانتساب فيها للعشيرة أو للمنطقة أو للطائفة، وبالتالي إلى منظومة القيم التي تنبثق عنها هذه الانتماءات، التي تكرس الولاء لتقاليد الماضي وليس إلى تقاليد الوطن الكبير ومنظومة قيمه المدنية الحضارية.
في معالجة قضايا كبيرة وخطيرة كهذه، لنا أن نذكر أبرز الناجحين فيها، فالرئيس الجنوب إفريقي نلسون مانديلا نموذج للإنسان الذي تجاوز وجعه الشخصي، بعد أن قضى سبعة وعشرين عاماً سجيناً في زنزانة ضيقة، وتجاوز.
كذلك قيم القبيلة التي ينتمي إليها، ليسمو مع حزبه إلى أعلى المراتب الإنسانية، حين أسدل الستار على تاريخ صارخ بشتى ألوان الانتهاكات العرقية والعنصرية، التي مارستها حكومات البيض ضد المواطنين الأصليين على مدى عشرات السنين، وأعاد بناء الدولة بطريقة حضارية أصبحت محط إعجاب العالم أجمع.
ولا يغيب عن بالنا في هذا السياق، ذكر الزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي الذي جعل السلم والتسامح استراتيجية للحكم، وليس شعاراً طارئا، مخلداً بذلك اسمه ليس على مستوى الهند، بل على مستوى العالم أجمع.
إلا أننا لا نرى أن القوى التي جاءت إلى موقع المسؤولية في العراق وفي غيره من الدول التي شهدت التغيير، قد استفادت من تجربة هذين الزعيمين، فالتعطش للسلطة قد أفقدها الكثير من القيم التي طالما نادت بها وهي في موقع المعارضة، إذ يبدو أن الاضطهاد الذي تعرضت له في الماضي، أصبح مصدراً لتأجيج روح الانتقام لديها في ممارساتها السياسية .
وهي في موقع المسؤولية. فالانتقام الذي سلطته وتسلطه ضد خصومها، لم يقتصر على الاقتصاص من العناصر التي مارست الاضطهاد وألحقت الأذى بها، بل انسحب كذلك ليشمل قطاعات واسعة من الشعب، بشكل مباشر أو غير مباشر، وأصبحت الكراهية والاستبعاد يشغلان أجندة هذه القوى.
إن التخلي عن روح التسامح والتصالح لا يصنع دولة، ولا يخلق سوى مسلسل كراهية وانتقام يديم التوتر والفرقة في أوساط المجتمع، خاصة في الدول العربية التي ليس من المستبعد أن تكون «الديمقراطية» التي نادت بها قوى التغيير فيها، لم تكن سوى قناع زائف تسترت به، وأنها لا تعدو أن تكون ضيفاً طارئاً قد يرحل في أي وقت، مخلفاً وراءه نظاماً سياسياً شبيهاً في بعض وجوهه بالنظام الذي سبقه.